أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

إقرأ الرسالة باللغة اللاتينية | الإنكليزية | الفرنسية | الإيطالية | الإسبانية | الألمانية

      

رسالة الفادي                                                                               Redemptoris missio

8- إنّ في العالم الحديث ميلا إلى حصر الإنسان في المدى الأفقي وحده. لكن ماذا يصبح الإنسان بدون انفتاحه على المطلق؟ إن الجواب في اختبار كلّ إنسان، وهو أيضا مسجل في تاريخ البشرية بالدم المسكوب باسم ايديولوجيات وأنظمة سياسية أرادت أن تؤسس بشرية جديدة من دون الله. (11)

هذا وإن المجمع الفاتيكاني الثاني يجيب الذين يهمهم أمر المحافظة على حرية الضمير "إن الحرية الدينية هي حق من حقوق الشخص البشري... وتقوم هذه الحرية على أن يصان الناس أجمعون من كل ضغط، سواء كان من قبل أفراد أم من قبل فئات إجتماعية أم من قبل أي سلطة بشرية، فلا يرغم إنسان على أن يتصرف ضد ضميره في الشؤون الدينية ولا يمنع من أن يعمل حسب ضميره ضمن الحدود المعقولة، سرا أو علانية، منفردا أو مشتركا مع آخرين" (12).

إن إعلان المسيح وشهادته، عندما يتمّان مع احترام الضمائر، لا يعطلان الحرية. إن الإيمان يوجب الإنتماء الحرّ من قبل الإنسان ولكن يجب أن يعرض عليه، لأن "للجماعات الحق في معرفة غنى سر المسيح الذي نؤمن بأن البشرية كلّها تستطيع إن تجد، على أكمل وجه غير منتظر، كلّ ما تبحث عنه بتعثر، في ما يخصّ الله والإنسان ومصيره، والحياة والموت، والحقيقة... لهذا السبب تحتفظ الكنيسة بإندفاعها للرسالة حيّا، كما تريد أن تكثفّه في الآونة التاريخية التي نعيش" (13). ومع ذلك، يجب القول، ودائما مع الجميع، إن "جميع الناس، بمقتضى كرامتهم، وبما أنهم أشخاص، أي متزيّنون بالعقل والإرادة الحرة، وبالتالي، بالمسؤولية الشخصية، مدفوعون، بطبيعتهم ذاتها، إلى البحث عن الحقيقة التي تتناول الديانة أولا، وملزمون بها أدبيا، فعليهم أن يعتنقوها حالما يعرفونها، وينظموا حياتهم كلها وفقا لمقتضياتها" (14).

- الكنيسة آية الخلاص وآداته
9- إن الكنيسة هي المستفيدة الأولى من الخلاص. المسيح امتلكها بدمه (راجع رسل 20 / 28)، للإسهام معه في عمل الخلاص الشامل. يحيا فيها، وهو بوصفه عريسها، يؤمّن نموها ويتمّم رسالته بها. لقد ركّز المجمع كثيرا على دور الكنيسة في خلاص البشرية. والكنيسة مع إعترافها بأن الله يحبّ البشر جميعا ويمنحهم إمكانية خلاصهم (راجع. طيم 2 / 4) (15). تعلن أن الله أقام المسيح وسيطاً وحيداً، وأنه جعل منها هي سر الخلاص الشامل (16). "أن جميع الناس مدعوون إلى الدخول في وحدة شعب الله الجامعة، فمن ناحية وتحت أشكال شتّى ينتمي إلى هذه الوحدة المؤمنون الكاثوليك أو ينتظمون فيها، ومن ناحية أخرى جميع الذين يؤمنون بالمسيح، وأخيرا وبدون استثناء جميع الذين تدعوهم نعمة الله إلى الخلاص" (17).

لابد من التمسك بهاتين الحقيقتين، أي إمكانية الخلاص الحقة في المسيح للناس أجمعين، وضرورة الكنيسة للخلاص. كلتاهما تساعداننا على فهم السر الخلاصي الوحيد هذا، وتسمحان لنا بأن نختبر رحمة الله ونعي مسؤوليتنا. إن الخلاص الذي هو دوما هبة الروح، يقتضي اسهام الإنسان في خلاصه الخاص، مثله في خلاص الآخرين. تلك هي إرادة الله، ولأجل ذلك، أسس الكنيسة وادرجها في قصد الخلاص: هذا الشعب المسيحاني، يقول المجمع، "قد أقامه المسيح شركة حياة ومحبة وحق، وهو بين يديه أداة خلاص كل البشر، وأرسله نورا للعالم وملحاً للأرض" (18).

- الخلاص تقدمة للبشر جميعا
10- إن شمولية الخلاص لا تعني أنه لا يمنح إلاّ للذين يؤمنون بالمسيح إيمانا صريحا والذين دخلوا في الكنيسة. إذا كان الخلاص مقدّرا للجميع، فعليه أن يكون مقدّما فعليا للجميع. إنما من البيّن، اليوم كما في الأمس، أن العديد من البشر لا يملكون إمكانية معرفة وحي الإنجيل أو تقبّله، ولا حتى دخول الكنيسة. إنهم يعيشون في حالات اجتماعية وثقافية لا تسمح لهم بذلك، وقد تربّوا في تقاليد دينية أخرى: بالنسبة إليهم، خلاص المسيح يمكن إدراكه بفضل نعمة لها صلة سريّة بالكنيسة، ولكنها لا تدخلهم فيها شكليا، بل تنيرهم بطريقة ملائمة لحالتهم الروحية، لأطارهم الحياتي. إن هذه النعمة تأتي من المسيح، وهي ثمرة ذبيحته، ومعطاة بواسطة الروح القدس. تسمح لكل واحد أن يبلغ الخلاص بإسهامه الحر.

لهذا السبب، فإن المجمع، بعد أن يؤكد على طابع سر الفصح المركزي، يعلن: "ولا يصح ذلك فقط في الذين يؤمنون بالمسيح ولكن في كل الناس ذوي الإرادة الصالحة، الذين تعمل النعمة في قلوبهم بطريقة خفية. فإذا كان المسيح مات عن الجميع، وإذا كانت دعوة الإنسان الأخيرة هي حقا واحدة للجميع، أي أنها دعوة الهية، علينا إذا أن نتمسك بأن الروح القدس يقدم للجميع الإمكانية للإشتراك في سر الفصح بطريقة يعرفها الله وحده" (19).

"نحن لا يسعنا أن نسكت" (رسل 4 / 20)
11- فما القول في الاعتراضات المذكورة على الرسالة "إلى الأمم"؟ علينا قبل كلّ شيء مع احترام القناعات الدينية والحساسيات كلّها، أن نعلن ببساطة إيماننا بالمسيح مخلّص الإنسان الوحيد، الإيمان الذي قبلناه كهبة من العلاء لا نستحقها. ومع بولس نقول: "إني لا أستحي بالبشارة، فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن" (روم 1 / 16). إن الشهداء المسيحيين في كل الأزمنة – وفي زمننا هذا أيضا – قد بذلوا ولا يزالون يبذلون حياتهم لتأدية الشهادة لهذا الإيمان أمام الناس، اقتناعا منهم بأن كل إنسان يحتاج إلى يسوع المسيح، هذا الذي غلب الخطيئة والموت وصالح البشر مع الله.
لقد أعلن المسيح نفسه ابن الله المتحد اتحادا وثيقا بالآب، وهكذا اعترف به تلاميذه، إذ أثبت كلامه بالأعاجيب، وبقيامته من بين الأموات. إن الكنيسة تقدّم إلى البشر الإنجيل، الوثيقة النبوية التي تتجاوب ومتطلبات القلب البشري وطموحاته: إنها دائما البشرى السارة. ولا تستطيع الكنيسة أن تعفي نفسها من الإعلان أن يسوع جاء يظهر وجه الله ويستحق بالصليب والقيامة الخلاص للبشر أجمعين.

على السؤال لماذا الرسالة؟ نجيب، بفضل إيمان الكنيسة واختبارها، إن التحرر الحق هو الانفتاح على حبّ المسيح. فيه، وفيه وحده، نحن محررون من كل اغتراب وكل ضياع، ومن الخضوع لسلطان الخطيئة والموت.

المسيح "هو سلامنا حقا" (اف 12 / 14)، و"محبة المسيح تحثنا" (2 قو 5 / 14)، وهو يعطي حياتنا معناها وفرحها. الرسالة قضية إيمان، هي بالضبط مقياس إيماننا بيسوع المسيح وبمحبته لنا.

إن المسيحية تتعرض اليوم لتجربة تقليصها إلى مجرد حكمة بشرية، وبنوع ما إلى علم حياة الرفاهية. ففي عالم معلمن للغاية، ظهرت علمنة متطورة لمفهوم الخلاص، الأمر الذي نجاهد من أجله في سبيل الإنسان، لكنه إنسان مشوه، محجم في بعده الأفقي. في المقابل، نحن نعلم أن يسوع جاء حاملا الخلاص الكامل العجيب الذي يتناول الإنسان كله والبشر جميعا ويجعلهم ينفتحون على أفق البنوة الإلهية.

لماذا الرسالة؟ لأن، لنا كما للقديس بولس، "أعطيت هذه النعمة وهي أن نبشّر الوثنيين بما في المسيح من غنى" (ا ف 3 / 8). إن جدة الحياة فيه هي "البشرى السارة للإنسان في كل الأزمنة: إن البشر بأجمعهم مدعوون ومعدون لها. والجميع بالواقع يفتشون عنها، حتى لو كان أحيانا بطريقة مشوشة، وللجميع الحق في معرفة قيمة هذه الهبة والوصول إليها. الكنيسة، مع كل مسيحي فيها، لا تستطيع أن تخبئ ولا أن تحتفظ لنفسها بهذا الجديد وبهذا الغنى اللذين تنالهما من الجودة الإلهية لكي يتوزعا على الجميع.

ولهذا السبب لا تنبع هذه الرسالة فقط من وصية الرب الصريحة، بل تفرضها حياة الله فينا وعلينا أيضاً في العمق فالذين هم جزء من الكنيسة الكاثوليكية عليهم أن يعتبروا أنفسهم من المنعم عليهم وبالتالي هم ملتزمون أكثر بإعطاء شهادة إيمان وحياة مسيحية تكون خدمة تجاه أخوتهم وجوابا واجباً لله، متذكرين أن "على أبناء الكنيسة كلهم أن يتذكروا أن وضعهم الممتاز يرجع، لا إلى استحقاقاتهم الشخصية بل إلى نعمة خاصة من المسيح، التي إذا لم يتجاوبوا معها فكرا وقولا وفعلا، استحق لهم لا الخلاص بل دينونة عظمى" (20).
 

الحواشي:
11) الرسالة العامة للبابا يوحنا الثالث والعشرين "أم ومعلمة" في 15 / 5 / 1961، 4، أعمال الكرسي الرسولي 53(1961) ص 451 – 453.
12) "الكرامة الإنسانية"، بيان في الحرية الدينية، المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني عدد 2.
13) "واجب التبشير بالإنجيل" إرشاد رسولي للبابا بولس السادس، في 8 / 11 / 1975، عدد 53، أعمال الكرسي الرسولي 68 (1976) ص 42.
14) "الكرامة الإنسانية" بيان في الحرية الدينية، المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني.
15) "نور الأمم" دستور عقائدي في الكنيسة عدد 14 17 "إلى الأمم"، قرار في نشاط الكنيسة الارسالي، عدد 3، المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني.
16) "نور الأمم"، دستور عقائدي في الكنيسة عدد 48، و"فرح ورجاء" دستور راعوي في الكنيسة وعالم اليوم، عدد 43، و"إلى الأمم"، قرار في نشاط الكنيسة الارسالي عدد 7 و 21 المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني.
17) "نور الأمم" دستور عقائدي في الكنيسة، عدد 13، المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني.
18) المرجع نفسه عدد 9.
19) "فرح ورجاء" دستور راعوي في الكنيسة وعالم اليوم، عدد 22 المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني.
20) "نور الأمم" دستور عقائدي في الكنيسة عدد 14، المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني.
 

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي