|
5. من خلال
هذه النظرة العامّةِ والسريعةِ لمفهومِ
eros
الـفي
الماضي والحاضر نستنتج بوضوح أمران:
أولاً، هناك
علاقة أكيدة بين الحبِّ وعالم الألوهة: يَعِدُ الحبُّ
بالأبدية، بالخلود
ـ
حقيقة أعظم جداً ومختلفة كلياً عن وجودِنا اليوميِ. رغم
ذلك رَأينَا أنَّ الطريقَ لإنْجاز هذا الهدفِ لا يقوم ببساطة على
الإذْعان للغريزةِ. فالتنقية والنضجِ أمران ضروريان وهما يتطلّبان في
بعض الأحيان سلوك طريقَ التخلّي أيضاً. هذا ليس رَفْضاً أَو "تسميماً"
للـ
eros،
بل شفاءً له في سبيلِ عظمته الحقيقية.
هذا يرتكز قبل كل شيء على حقيقة الكائن البشري المؤلَّف
مِن جسدٍ ونفس. فالإنسان يكون ذاته حقاً عندما يتحد جسده ونفسه
بحميمية؛ يمكننا القول بأننا غلبنا التحدي المعروض مِن قِبل الـ
eros
عندما ينجح هذا الإتحاد. إذا ما أراد الإنسان أن يَكُونَ روحاً صافيةَ
ورَفَض جسدهُ معتبراً إيّاهُ إرثاً حيوانياً فقط، يَفْقدُ عندها الروح
والجسد كرامتَهما. من الناحية الأخرى، إن أنكرَ الروحَ وبالتـالي اعتبر
المادة والجسـد بمثابتة الحقيقية الوحيدة، فهو يَفْقدُ عظمتَه على نفـس
النمـط. كان الأبيقوري غاسـيندي
(Gassendi)
ينادي ديسكارت
(Descartes) على سبيل المزاح "يا نفس!"
وديسكارت كان يجيبه "يا جسد!"
[3] رغم أنَّهُ لا الروح يحب بمفرده ولا الجسدُ: بل الإنسان، الشخص
،يحب
كمخلوق
واحد متكوّن من الجسد والنفس، فقط عندما
يتحد هذان
البعدان،
يصير الإنسان ذاته بشكلٍ كامل. بهذا الشكل فقط، حبُّ
ـ
erosـ
قادر على بُلُوغ عظمتِه الأصيلةِ.
في الوقت الحاضر تُنتَقدُ كثيراً مسيحيَّة
الماضي على أنها كانت ضدَّ الجسد؛ وفي الحقيقة تلك الميولِ قد وُجِدَت
دائماً. رغم ذلك فإن إبراز أهمية الجسـد بحسب الطريقة المُعاصرة لهو
أمرٌ خادعُ. فالـ
erosبإنحداره
لـ
"الجنـسِ" لا غير، أَصْـبَحَ"
سلعة
،"مجرّد
شيء يُشتَرى ويُباع، بل بالأحرى، الإنسان نفسه قد أصبحَ
سلعة. في الواقع هذا ليس الـ "نَعَمْ" السامي للجسد.
بالعكس، فالإنسان صارَ الآن يَعتبرُ الجسد والجنس كالجزء المادي فقط من
ذاتهِ، ذاك الجزء الذي يُستَعملَ ويُستَغلَّ عند الرغبة. ولا يَراه
كمجال لممارسة حريتِه، بل
شيئاً
يُحاولُ أن يجعل منهُ، بحسب رغبته، مصدر متعةٍ غير مؤذية. في الحقيقة
هنا نحن نتواجد أمامَ واقع يحطّ من كرامة الجسد الإنسانيِ، لأنه لم
يدخل بشكل كاملٍ حيّزَ حُريتِنا الوجوديةِ؛ لم يعد يُشكّل التعبير
الحيوي عن تكامل كياننا، لَكنَّه قد حُصِرَ في المجالِ البيولوجي لا
غير. إن الإعلاء الظاهري للجسد يُمْكِنُ أَنْ يَتحوّلَ بسرعة إلى
كراهية
للبعد الجسديّ. على عكس ذلك قد اعتبر
الإيمان المسيحي دائماً الإنسانَ كوحدة ـ ثنائية،
فيها تتداخل النفس مع الجسد بشكل يمنح كلَّ بعدٍ منهما كرامةً جديدة.
نعم فالـ
erosيعمل
على رفعنا
"في النشوةِ" نحو الله، ليسير بنا لما هو أبعد من
أنفسنا؛ لكن لهذا السبب بالذات يتطلّب منّا مسيرة ترويضٍ، تخلّي، تنقية
وشفاء.
ــــــــــــ
[3] R.
Descartes, Œuvres, ed. V. Cousin, vol. 12, Paris 1824, pp.
95ff
|