أعداد الرسالة:
 1 / 2 / 3 / 4 / 5 / 6 / 7 / 8 / 9 / 10 /
 11 / 12 / 13 / 14 / 15 / 16 / 17 / 18 / 19 / 20 /
 21 / 22 / 23 / 24 / 25 / 26 / 27 / 28 / 29 / 30 /
 31 / 32 / 33 / 34 / 35 / 36 / 37 / 38 / 39 / 40 /
 41 / 42
 

   السمات الخاصة بنشاطِ الكنيسةَ الخيريَ

   31. إنّ زيادةَ عدد المنظمات المُتنَوِّعة التي تجتهد في سبيل الحاجاتِ الإنسانيةِ المُخْتَلِفةِ، تُفَسَّر في النهاية، بالحقيقة القائلة أنَّ وصية محبِّة القريب قد كتبها الخالقُ في طبيعةِ الإنسانِ نفسها. لكنهّا أيضاً نتيجةُ حضورِ المسيحيةِ في العالمِ، التي تُنعشْ بشكلٍ دائمٍ هذه الوصية التي غالباً ما توارت عبرَ التاريخ في غياهب الظلمات وتجعلها فعّالة. إنّ إصلاحَ الوثنيةِ التي حاولَ الإمبراطورِ يوليانوس المُرتد أن ينجزَه هو عبارة عن مثالٍ أوليٍّ لهذا التأثيرِ؛ هنا نَرى كَيفَ أنَّ قوَّةَ المسيحيةِ قد انتشرتْ خارجَ حدودِ الإيمانِ المسيحيِ. لهذا السبب، من المهم جداً أن يَبقى نشاطَ الكنيسةِ الخيريّ محافظاً على تألُّقِهِ وألا يَصْبحَ مجرَّد شكلٍ آخر من أشكالِ المساعدةِ الإجتماعيةِ. فما هي إذاً العناصرُ الضروريةُ التي تُشكِّل جوهرَ أعمالِ المحبَّة المسيحية والكنسيّة؟

   أ) بحسب مثلِ السامري الصالح، يجب على أعمال المحبة المسيحية أولاً أن تستجيبَ ببساطةٍ للحاجاتِ الفوريةِ التي تعرضها بعض الحالاتِ المعيّنةِ: إطعام الجياع، إلباس العراة، الإِهْتِمام بشفاء المرضى، زيارة المسجونين، إلخ. يجبُ على منظماتِ الكنيسةِ الخيريةِ، إبتداءً من منظمة كاريتاس Caritas (على المستوى الأبرشيِ، الوطني والدولي)، أَنْ تعْملَ كلّ ما بوسعها لتأمينِ الوسائل وقبل كل شيء الأشخاص الذين يتَّخذونَ على عاتقهم هذا العمل. فيما يخصُّ الخدمةَ التي يقومُ بها الأشخاصُ لأجل المتألّمين، يَجِبُ عليهم أولاً أَنْ يَكُونوا مؤهّلين بإحتراف: يَجِبُ أَنْ يُدرّبوا بشكلٍ صحيحٍ لما عليهم أن يقوموا بهِ وكَيفية القيام به، وأن يلتزموا بإستمرارهم في الخدمة. لكن هذه القدرات الإحترافية مع أنها مَطلبٌ أساسيٌ، إلا أنها تبقى غير كافية. فنحن نَتعاملُ مع البشرِ، وما يحتاجه الإنسانُ يفوقُ دائماً العنايةَ الصحيحةَ تقنياً. هو يَحتاجُ للإنسانية. يَحتاج إهتماماً يَنبع من قلبٍ صادقٍ. أولئكَ الذين يَعْملونَ في منظماتِ الكنيسةِ الخيريةِ يجب أنْ يتميّزوا بأنَّهُمْ لا يُلبّونَ بمهارةٍ حاجات اللحظة الحاضرة وحسب، بل يُكرّسونَ أنفسهم للآخر بإهتمامٍ صادقٍ، بشكلٍ يجعله يختبر غِنى إنسانيتهم. لذلك، بالإضافة للتدريب المحترف، من أهم الأمور على الإطلاق لمن يعمل في المنظمات الخيريةِ هو "تشكيل القلبِ": مَنْ الضَّرُوري أَنْ يقوموا أولئكَ بتوجيه الآخر إلى اللقاءِ مَع الله في المسيح، الذي يَوقظُ فيهم المحبة ويَفْتحُ نفوسَهم على الآخر. بشكلٍ يجعلُ من محبّة القريبِ بالنسبةِ لهم لا مجرَّد وصية تُفَرضُ من الخارج، بل كنتيجةٍ لإيمانِهم العامل بالمحبِّة (راجع غل 5 / 6).

   ب) يجب على النشاطِ المسيحي الخيري أَنْ يَكُونَ مستقلاً عن الأحزاب والإيدولوجيات. فهو لَيسَ وسيلةً لتَغيير العالمِ بشكلٍ إيدولوجي، ولَيسَ في خدمةِ إستراتيجيات دنيويّة، بل هو تحقيقٌ هنا والآن للحبِّ الذي يحتاجُ إليهِ الإنسانُ دائماً. إنَّ العصرَ الحديثَ، خصوصاً مع بداية القرن التاسع عشرِ، قد سيطرت عليه فلسفاتُ تقدُّمٍ مُخْتَلِفة، كانت الماركسيَّةُ أشدّ أشكالها جذريَّةً. تشكُّلُ نظرية التفقير جزءاً من الإستراتيجيةِ الماركسيةِ، وهي تدَّعي أنَّ الشخصَ الذي يتمتّع بالقوَّةِ نتيجةَ الظلمِ، ويقوم بمبادراتِ خيريةٍ، هو في الحقيقةِ يَخْدُمُ ذلك النظامِ الظالمِ، أو يَجْعلُه يَظْهرُ على الأقل محتملاً إلى حدٍّ ما. بهذا الشكل تُكبَحُ الثورةُ المُحتملة ويُمْنَعُ الكفاحُ من أجلِ عالمٍ أفضل. لهذا السبب قد عورضَت الصدقةُ كما رُفِضَت وهوجِمَت كوسيلةٍ تُبقي على الوضع الراهنِ. في الواقع إنّها لفلسفةٌ لا إنسانية. فالإنسان الحاضرُ يُصبحُ ضحيّةً لإله المستقبل — مستقبلٌ ما زالَ تحقيقه في أحسن الأحوال موضعَ شكٍ. في الحقيقة كيما نجعل العالم أكثر إنسانيّةً لا يمكننا أن نتخلّى ولو بشكلٍ مؤقت عن التصرف بشكلٍ إنساني هنا والآن. فنحن نُساهمُ في بناء عالمٍ أفضل فقط عندما نصنعُ الخيرَ الآن وبشكلٍ شخصيّ، بكلِّ القلب وحيثما نجدُ فرصةً مناسبةً، بشكلٍ مستقلٍ عن الإستراتيجياتِ والبرامجِ الحزبيّة. إنَّ برنامج المسيحيّ — برنامج السامري الصالح، برنامج يسوع — هو "قلبٌ ذو بصيرةٍ" هذا القلبُ يرى الحاجةَ للمحبةِ ويتصرَّفُ وفقاً لذلك. طبعاً عندما يكونُ النشاطُ الخيريُّ مُنَفَّذاً مِن قِبلِ الكنيسةِ كمبادرةٍ جماعيةٍ، يجب على عفويّةِ الأفرادِ أنْ تَندَمِجَ مع التخطيطِ والبصيرةِ والتعاونِ مع المؤسساتِ الأخرى المماثلة.

   ج) علاوة على ذلك، لا يُمْكن أنْ تُستَعملَ أعمالُ المحبَّةِ كوسائلٍ لتحقيق ما يُدعى اليوم بـ "النزعة الدخيليّة". الحبُّ مجّانيٌ؛ ولا يمكنُ أن يُزاوَلَ كوسيلةٍ لإنْجازِ أهدافٍ أخرى [30]. لكن هذا لا يَعْني بأنّ على النشاطِ الخيريِ أَنْ يَتْركَ الله والمسيح بطريقةٍ ما جانباً. لأنهُ نشاطٌ يهتمّ بالإنسان بكاملِهِ. في أغلبِ الأحيان يكونُ سبب معاناةِ الإنسانِ الأعمق هو غيابُ الله. مَن يصنعُ خيراً باسمِ الكنيسةِ يجب عليهِ ألا يفرضَ إيمانَ الكنيسةِ على الآخرين. فهو يُدركُ بأنّ الحبَّ في صفائه ومجّانيته، هو أفضلُ شهادةٍ لله الذي نؤمن بهِ والذي منهُ ننال القوة لنحبَّ. المسيحيُّ يَعْرفُ متى يجبُ الكَلامُ عن الله ومتى يكون من الأفضلِ الصمت وتَرْك الكلامِ للحبِّ وحدِه. هو يَعْرفُ بأنّ الله محبّة (راجع 1 يو 4 / 8) وهو حاضرٌ خاصةً عندما لا يمكن عملَ شيءٍ سوى المحبة. هو يَعْرفُ — كي نعود للأسئلةِ التي طُرِحَتْ في وقتٍ سابقٍ — أنَّ الذي يَزدري المحبّة يزدري الله والإنسان على حدّ سواء، وأنه بذلك يحاولُ التخلّي عن الله. ولذلك، فإن أفضلَ طريقةٍ للدفاعِ عن الله والإنسان هي المحبّة. تبقى مسؤوليةُ منظماتِ الكنيسةَ الخيريةَ أن تُعزِّز هذا الوعي بين أعضائها، كيما يكونوا بنشاطِهم — بالإضافة إلى كلامهم، صمتهم ومثالهم — شهوداً صادقين للمسيح.

ـــــــــــــ
[31] راجع
Congregation for Bishops, Directory for the Pastoral Ministry of Bishops Apostolorum Successores (22 February 2004), 196, Vatican City 2004, p. 216.

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي