أعداد الرسالة:
 1 / 2 / 3 / 4 / 5 / 6 / 7 / 8 / 9 / 10 /
 11 / 12 / 13 / 14 / 15 / 16 / 17 / 18 / 19 / 20 /
 21 / 22 / 23 / 24 / 25 / 26 / 27 / 28 / 29 / 30 /
 31 / 32 / 33 / 34 / 35 / 36 / 37 / 38 / 39 / 40 /
 41 / 42
 

   البنى المتعدّدة القائمة بالخدمةِ الخيريةِ في المحيط الإجتماعيِ في وقتنا الحاضرِ

   30. قبل مُحَاوَلَتي تَعريف الوجه الخاص لنشاطاتِ الكنيسةَ في خدمةِ الإنسان، أودُّ أَنْ أَعرضَ الوضع العام للكفاحِ من أجل العدالةِ والمحبة في عالمِ اليوم.

   أ) لقد جَعلَتْ وسائلَ الإتصالِ اليومَ كوكبنَا أصغرَ حجماً، وضيّقتِ المسافةَ بين الناسِ والثقافاتِ المختلفةِ بشكلٍ سريع. إذا كان هذا "العيشُ معاً" يُسبّبُ سوءَ فهمٍ وتَوَتّراتٍ أحياناً، إلا أنَّ قدرتنا على معْرِفةِ حاجاتِ الآخرين بشكلٍ يكادُ يكون فورياً، يَضعُنا أمامَ تحدٍ كيما نشاركهم أوضاعهم وصعوباتهم. على الرغم مِنْ التقدّمِ العلمي والتقني العظيمِ، نَرى كُلّ يومٍ كَمْ من المعاناةِ مازالت في العالمِ بسبب أنواعَ الفقر المختلفة، منها الماديُّ والروحيّ. هذه الأزمنةُ تَدْعونا إذاً لنكون على إستعدادٍ جديدٍ لمُسَاعَدَةِ القريب المحتاج. لقد سبق وشدَّدَ المجمع الفاتيكاني الثاني على هذه النقطةِ بكلِّ وضوح: "اليوم، إذ اكتسبت وسائلِ الإتصال سرعةً أكبر، وأُزيلت تقريباً المسافات بين الناسِ [...]، يجب على النشاطِ الخيريِّ ويُمكنه أَنْ يُعانقَ كُلّ الناس وكُلّ الإحتياجات" [24].

من الناحيةِ الأخرى — وهذه هي إحدى التَحدّيات وفي نفس الوقت إحدى الأمور المُشجّعة في واقع العولمةِ — يضعُ الوقتُ الحاضرُ تحتَ تصرّفنا وسائلاً عديدةً لتقديمِ المساعدةِ الإنسانيةِ لإخوتِنا وأخواتِنا المحتاجين، ناهيك عن الأنظمة الحديثة لتَوزيع المأكل والملبسِ، وتقديم السكن والعناية. بتجاوزِ حدودِ الجماعات الوطنيةِ يتسّع أفقُ الإهتمامِ بالقريب على نحوٍ متزايدٍ ليشملَ العالمَ بأكملهِ. لقد لاحظَ المجمع الفاتيكاني الثاني عن حقٍ بأنّ "واحدةً من علاماتِ الأزمنة اليوم، تستحقّ الذكرَ بشكلٍ خاصٍ، ألا وهي إحساسُ التضامن المحتوم والمُتزايد بين كلِّ الناسِ" [25]. تعملُ المؤسسات الحكومية والجمعياتُ الإنسانيةُ للتَرويج لهذا، بشكلٍ رئيسي من خلالِ الإعاناتِ الماليةِ أَو الإعفاءات الضريبية، وهذا يتمُّ من خلالِ المصادرِ الكبيرةِ التي توفرها الأولى للأخرى. بهذا يتجاوزُ تضامنُ المجتمع المدني بشكلٍ ملحوظ مبادرات الأفراد.

   ب) هذا أدّى لولادةِ ونمو العديد مِنْ أشكالِ التعاونِ بين مختلف مبادراتِ الكنيسةَ والدولة، والتي تَبَيَّنَ أنها مُثمرة. إنَّ مبادرات الكنيسةِ، بتتميمها عملها بشفافيةٍ وإخلاصِها لواجبِ شَهادَة المَحَبَّة، قادرةٌ على إضفاءِ روحٍ مسيحيةٍ إلى المبادرات المدنيّة، وذلك بدعمها للتنسيق المتبادل الذي يُؤثّرُ بلا شك في فعاليّة الخدمةِ الخيريةِ [26]. منظماتٌ عديدةٌ ذاتَ أهدافٍ خيريةٍ أَو إنسانيةٍ نشأت أيضاً وهي تَتعهّدُ بإنْجازِ حلولٍ إنسانيةٍ مُجديةٍ للمشاكلِ الإجتماعيةِ والسياسيةِ المعاصرة. وقد رأينا بشكلٍ ملحوظٍ، في أيامنا هذه نموَّ وإنتشارَ أنواعٍ مختلفةٍ من العملِ المتطوّعِ، الذي قد أخذَ على عاتقه مسؤوليةَ العديد من الخدماتِ [27] أَود هنا أَنْ أَوجِّهَ كلمةً خاصّةً ملؤها الإمتنانُ والتقدير لكُلّ من يَشتركُ بطرقٍ عديدة في هذه النشاطاتِ. هذا المجهودُ الواسعُ الإنتشارِ يُشكّلُ مدرسةَ حياةٍ للشباب، تَربيهم على التضامنِ وعلى الإستعدادِ لَيس فقط لمساعدةِ الآخرين مساعدةً ماديةً بل ببذل أنفسِهم. هكذا ضِدّ ثقافة الموتِ، التي تَجِدُ تعبيراً لها على سبيل المثال في المخدّرِات، يبرز الحبُّ الذي لا يطلب منفعته، بل بإستعداده لأن "يخسر نفسه" لأجل الآخر (راجع لو 17 / 33 والمقاطع الإزائية)، يَظهَرُ كثقافةِ حياة.

في الكنيسةِ الكاثوليكيةِ، وفي كنائسَ وجماعاتٍ كنسيّة أخرى، ظهرت أشكالٌ جديدةٌ مِنْ النشاطِ الخيريِ، كما استعادت أشكالٌ قديمة حياتها بإندفاعٍ جديد. في هذه الأشكالِ الجديدةِ، يتم أغلب الأحيان الربط بشكلٍ مثمرٍ بين التبشير بالإنجيل وأعمالِ المحبةِ. أود هنا بصراحةٍ تأكيدَ ما كتبهُ سلفَي العظيمَ يوحنا بولس الثّاني في رسالته العامة "الإهتمام بالشأن الإجتماعي" [28]، عندما أَكّدَ إستعدادَ الكنيسةِ الكاثوليكيةِ للتَعَاوُن مع المنظمات الخيريةِ التابعة لهذه الكنائسِ والجماعات، لأننا جميعاً نتحرَّكُ بفضل دافعٍ أساسيٍّ واحدٍ نحو الهدفِ نفسه: حركةً إنسانيةً حقيقيةً، تَرى في الإنسانِ صورةَ الله وتُريدُ مُسَاعَدَته للعَيْش بطريقةٍ مطابقةٍ لكرامته هذه. لقد أَكّدَت الرسالة العامة "ليكونوا واحداً" (Ut Unum Sint) بأنّه لبناءِ عالمٍ أفضل ضروريٌ هو صوت المسيحيين الموحَّد وكفاحهم لإحترام حقوقِ وحاجاتِ الجميع، خصوصاً الفقراء، الوضيعين والعُزَّل." [29]. هنا أوَدُّ أَنْ أَبدي فرحي بِأَنَّ هذا النداءِ قد وَجدَ استجابةً كبيرة من خلال المبادراتِ العديدةِ في كافة أنحاء العالم.

ــــــــــــــ
[24] المجمع الفاتيكاني الثاني، رسالة العلمانيين، 8.
[25] نفس المرجع، 14.
[26] راجع
Congregation for Bishops, Directory for the Pastoral Ministry of Bishops Apostolorum Successores (22 February 2004), 195, Vatican City 2004, pp. 214-216.
[27] يوحنا بولس الثاني، المؤمنون العلمانيون، (30 ك1، 1988)، 41:
AAS 81 (1989), 470-472.
[28] راجع رقم 32:
AAS 80 (1988), 556.
[29] راجع رقم 43:
AAS 87 (1995), 946.
 

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي