أعداد الرسالة:
 1 / 2 / 3 / 4 / 5 / 6 / 7 / 8 / 9 / 10 /
 11 / 12 / 13 / 14 / 15 / 16 / 17 / 18 / 19 / 20 /
 21 / 22 / 23 / 24 / 25 / 26 / 27 / 28 / 29 / 30 /
 31 / 32 / 33 / 34 / 35 / 36 / 37 / 38 / 39 / 40 /
 41 / 42
 

   18. هكذا يظهر حبُّ القريبِ مُمكناً كما أعلنه يسوع في الكتاب المقدس. فهو يكمن في أنني أحبُّ في الله ومَع الله، حتى الشخصَ الذي لا أقبله أو لا أَعْرفُه. هذا يُمْكِنُ تحقيقه فقط على أساسِ لقاءٍ عميقٍ مَع الله، لقاءٍ يصبِحُ مشاركةً في الإرادةِ، وهو يَصِلُ لحدِّ التأثير على المشاعرِ أيضاً. هكذا أَتعلّمُ النَظْر للشخصِ الآخرِ لا بعيونِي ومشاعرِي فقط، بل مِنْ منظورِ يسوع المسيح. فصديقه هو صديقي. بتَجَاوُزي المظاهرَ الخارجية، أُدركُ في الآخر شوقهُ الداخليّ لإشارة حبٍّ، ورعاية. يُمْكِنُني إعطائه هذا لَيس فقط خلال المنظماتِ المختصّة، والتي تُقبَلُ ربما كضرورةٍ سياسية. أنا أرى بعيونِ المسيح، ويُمْكِنُني أَنْ أَعطي الآخرين أكثر مِنْ احتياجاتهم الخارجيةِ؛  يُمْكِنُني أَنْ أَعطيهم نظرةَ الحبِّ التي يَشتهونَ. هنا نَرى التفاعلَ الضروريَ بين حبِّ الله وحبّ القريب الذي تتحدَّث عنه رسالة يوحنا الأولى بإصرار. إذا لم تكن لِي أيَّة علاقة مَع الله في حياتِي، لا أَستطيعُ أن أرى في الآخر شيئاً سوى ذاته، وأكون عاجزاً عن رُؤية صورة الله فيه. من جهة أخرى، لو كنت في حياتِي أتجاهل الآخر بالكامل، رغبةً منّى في أن أكونَ "تقيّاً" وأَنْ أؤدّي "واجباتي الدينية"، ستكون النتيجة أن علاقتي مَع الله ستغدو قاحلة أيضاً. وستكون العلاقة فقط "صحيحَة"، لكنها خالية من الحبّ. فقط من خلال إستعدادي للقاء القريب كي أُظهِرَ لهُ حبّاً، يَجْعلُني حسّاساً لله أيضاً. فقط من خلال خْدمتي لقريبي تنفتح عيونَي لِما يعمل الله من أجلي وكَمْ أنّه يُحبُّني. القديسون — لنذكر على سبيل المثال الأم تيريزا مِنْ كالكوتّا — قد نالوا قدرةً متجددة، لمحبة القريب مِنْ خلال لقائِهم مَع الرب في الإفخارستيا، وقد إكتسبَ بالمقابل هذا اللقاءِ واقعيّته وعمقه من خلال خدمتِهم للآخرين. حبّ الله وحبّ القريب هما أمران متلازمان، هما وصية واحدة. لكن كلاهما يستمدُّ حياته مِنْ حبِّ الله الذي أحبَّنا أولاً. بهذا الشكل لم تَعد "وصيةً" تُفرَضُ مِن الخارج وتطلب المستحيل، لكنها بالأحرى خبرةُ حبٍّ مَمْنُوحةٍ من الداخل، الحبُّ الذي بطبيعتِه يَجِبُ أَنْ ثمّ يَكُونُ مشتركاً مَع الآخرين. فالحبُّ ينمو بواسطة الحبِّ. الحبّ "إلهيّ" لأنه يَأتي مِنْ الله ويُوحّدُنا بالله؛ ومن خلال هذه العمليةِ التوحيديةِ يحوِّلنا إلى "نحن" متجاوزاً إنقساماتَنا وجاعِلاً مِنّا واحداً، إلى أن تكون النهاية ويكون الله "كلاً في الكل" (1 كو 15 / 28).

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي