أعداد الرسالة:
 1 / 2 / 3 / 4 / 5 / 6 / 7 / 8 / 9 / 10 /
 11 / 12 / 13 / 14 / 15 / 16 / 17 / 18 / 19 / 20 /
 21 / 22 / 23 / 24 / 25 / 26 / 27 / 28 / 29 / 30 /
 31 / 32 / 33 / 34 / 35 / 36 / 37 / 38 / 39 / 40 /
 41 / 42
 

   11. الجِّدّة الأولى في إيمانِ الكتاب المقدس تكمنُ، كما رَأينَا، في صورة الله. الثانية، وهي متصلة جوهرياً بالأولى، تكمن في صورةِ الإنسان. تتكلم رواية الخلق في الكتاب المقدس عن وحدةِ آدم، الرجل الأول، وقرار الله إعْطائه معيناً يُساعده. ولا واحدة من كُلّ المخلوقات الأخرى، كانت قادرة على أنْ تكونَ ذاك المعين الذي يَحتاجُه الرجل، بالرغم من أنَّه أعطى اسماً لكُلّ وحوش وطيور البرّية وهكذا جَعلهم بالكامل جزءاً من حياتِه. لذا يُشكّلُ الله إمرأةً مِنْ ضلعِ الرجلِ. هنا فقط يَجِدُ آدم المعين الذي يحتاج: "هذه الآن عظمٌ مِنْ عظامِي ولحمٌ مِن لحمِي" (تك 2 / 23). هنا يمكن أن نلاحظ بعض التلميحاتِ لأفكارٍ توجدُ أيضاً، على سبيل المثال، في الأسطورةِ التي ذَكرَها أفلاطون، والقائلة بأن الإنسانَ كَانَ أصلاً  كرويَ الشكل، لأنه كَانَ كاملاً في نفسه ومكتفياً بذاته. لكن كعقابٍ لكبريائهِ، قام زيوسِ بشطرهِ نصفين، كيما يَشتاقُ كل نصفٍ إلى نصفه الآخرِ، ويكافح بكُلّ الوجود لإمتِلاكه وهكذا يستعيدُ كماله [8]. صحيحٌ أن القصة الكتابية لا تَتكلّمُ عن عقابٍ، لكن الفكرة القائلة بأن الإنسانَ هو ناقصٌ بطريقةٍ ما، وهو بطبيعته يسيرُ ليجدَ في الآخر الجزءَ الذي يُمْكِنُ أَنْ يكمّلهُ، الفكرة القائلة بأنه فقط في شركته مع الجنس الآخرِ يُمْكِنُ أَنْ يُصبحَ "كاملاً"، هي فكرة موجودة دون أدنى شك في الرواية الكِتابية. هذه تنتهي بنبوءة حول آدم: "لذلكَ يَتْركُ الرجلُ أبّاه وأمَّه ويتَّحِدُ بإمرأتِِه فيصيرانِ جسداً واحداً" (تك 2 / 24).

علينا أن نشير إلى أمرين مهمَّين. أولاً، إنَّ الـ eros متجذّرٌ بطريقةٍ ما في طبيعةِ الإنسانِ نفسها؛ آدم هو في بحثٍ دائمٍ، لذا "يَتْركُ أباه وأمه" لكي يَجدَ إمرأةً؛ وهكذا يمثُّل الإثنانِ سويةً كمالَ الإنسانية ويُصبحانِ "جسداً واحداً". الأمر الثاني، وهو ليس بأقلَّ أهمية: مِنْ وجهةِ نظر الخَلْقِ يُوجّهُ الـ eros الإنسان نحو الزواج، نحو رابطٍ وحيدٍ ونهائي؛ بهذا الشكل، وفقط بهذا الشكل، يُنجزُ غرضَه الأعمقَ. أمامَ صورةِ الله الواحد توجدُ صورةُ الزواجِ الواحد. هكذا يُصبحُ الزواجُ المؤسس على حبٍّ واحدٍ ونهائيّ أيقونةَ العلاقةِ بين الله وشعبه والعكس صحيح. ونمطُ محبة الله يُصبحُ مقياسَ الحبِّ الإنسانيِ. هذا الإرتباط الوثيقِ بين الـ eros والزواج، ليس لَهُ تقريباً أي شبيه في الأدبِ خارج الكتاب المقدس.

 

ــــــــــــ

[8] Plato, Symposium, XIV-XV, 189c-192d

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي