|
10.
كما رَأينَا فإنّ
eros
الله
نحو الإنسان
هو أيضاً agape
بشكلٍ تام. هذا ليس فقط لأنه
مَمْنُوحٌ بطريقةٍ مجانية إلى أقصى الحدودً، بدون أيّ إستحقاق سابق،
لكن أيضاً لأنه حبُّ متسامِح. هوشع هو أكثرُ نبيٍّ يُظهر لنا بُعدَ الـ
agape
في حبِّ الله للإنسان، بُعداً يتخطّى بشكلٍ كبير صفةَ المجانيّة.
لقد إرتكب إسرائيل "زناً" وكَسرَ العهدَ؛ وكان على الله أَنْ يَحْكمَ
عليهِ ويُنكرَهُ. لكن في هذه النقطةِ بالذات يَظهر كيف أنَّ الله هو
إلهاً وليس إنساناً: "كيف أتخلّى عنكم يا بيتَ أفرايم؟ كيفَ أهجركم يا
بني إسرائيل؟ ... قلبي يضطربُ في صدري، وكلُّ مراحمي تتقد. لن
أُعاقبَكُم في شدَّةِ غضبي، فأدمِّركم بعدُ يا بني أفرايم، لأنّي أنا
الله لا إنسانٌ، وقدّوسٌ بينكم فلا أعودُ أغضبُ عليكم." (هو 11 / 8 ـ
9). حبُّ الله العاطفيِّ لشعبهِ — للإنسانيةِ — هو في نفس الوقت حبٌّ
مُتسامح. هو عظيم جداً بِحيث يجعلُ الله يتصرَّف ضِدَّ نفسه، الحبُّ
ضدَّ العدل. هنا يمكن للمسيحيين أَنْ يَرو تلميحاً مُستتراً لسرِّ
الصليبِ: عظيم جداً حبُّ الله للإنسانِ، حتى أنّه يُصبحُ هو نفسهُ
إنساناً ويتبعه حتى الموتِ، وبهذا يُصالحُ العدلَ مع الحبّ.
إنَّ البُعدَ الفلسفي الّذي يُلاحَظُ في رؤيةِ الكتاب المقدس
هذه، وأهميتها مِنْ وجهةِ نظر تاريخِ الأديانِ، يَكْمنُ في
الحقيقة بأنّه من ناحيةٍ نَجِدُ أنفسنا أمامَ صورة سامية
تماماً لله: الله هو المصدرُ النهائيُ والمُطلَق لكُلّ كائن؛
هذا المبدأِ الخَالِق كلّ الأشياء — الكلمة، المنطق الأوَّل —
هو في الوقت نفسهِ عاشقاً بعاطفةِ حبٍّ حقيقي.
بهذا لم تسمو فقط قيمة الـ
eros
بل قد
نُقِّيَ لدرجة أنه أصبحَ واحداً مع الـ
agape.
هكذا
يُمْكِنُنا أَنْ نفهم كيف أنَّ قبولَ سفر نشيد الأناشيد في
قانون الكتاب المقدّسِ كان على أساس التفسير القائل بأنهُ
عِبارة عن أغانيِ حبٍّ تَصِفُ علاقةَ الله بالإنسان وعلاقة
الإنسان بالله. هكذا أصبح سفر نشيد الأناشيد في الأدبِ
المسيحيّ واليهودي، مصدر معرفةٍ وتجربةٍ صوفية، فيها تُُعبِّرُ
عن جوهرِ إيمانِ الكتاب المقدس: نعم، فبإمكان الإنسان أَنْ
يتحدَ مَع الله — هذه هي في الحقيقة رغبةُ الإنسان الأصليّة —
هذا الإتحادِ ليس غَرَقاً في محيطٍ إلهيٍّ مجهول؛ إنهُ بالأحرى
وحدة تَخْلقُ الحبَّ، وحدة فيها يَبْقى الله والإنسانُ أنفسهم،
ومع ذلكَ يصبحانِ واحداً. يَقُولُ القدّيس بولس:"مَن اتّحد
بالربِّ صارَ وإيّاهُ روحاً واحداً" (1 كو 6 / 17).
|