وثائق كنسيّة
الفاتيكاني الثاني
 

 

المجمع الفاتيكاني الثاني
(للتعمُّق في الموضوع - 1)

القسم الأول: المجمع الفاتيكاني الثاني في الدعوة إليه وسير أعماله

 بقلم الأب غابي هاشم البولسي

المجمع الفاتيكاني الثاني حدَثٌ كبير من حياة الكنيسة، ومُنعطف خطير في تاريخها الحديث، قادها بهدي الروح القدس إلى وعي ذاتها وطبيعة رسالتها وعياً أعمق، وإلى مواجهة العالم بثقة أكبر داعياً إياها لتكون شهادة لمحبته وامتداداً لحضوره وعمله. فكان هذا المجمع صلة وصل ما بين ماضٍ ولّى ومستقبل أشرف، وغيّر وجه الكنيسة البشري نافضاً عنه ما لحقه من غبار الطريق وطول المسير.

والفضل كلّ الفضل في عقد المجمع الفاتيكاني الثاني يعود إلى رجل الله المُلهم، قداسة البابا يوحنا الثالث والعشرين الذي نذر حبريته ووقف إمكانات قلبه وعقله في سبيل تحقيق هذا الهدف السامي. لقد شعر هذا البابا القديس بما آلت إليه حالُ الكنيسة من حيثُ الإنقسامات وعدم التوافق مع أحوال العصر، فهبّ يعمل على إصلاح الوضع القائم، وانبرى في الخامس والعشرين من كانون الثاني سنة 1959 يُعلن للملأ المفاجأة العظمى ويقول: "بشيء من الاضطراب والتأثر، ولكن بثقة متواضعة، ننقل إليكم اقتراحنا المتعلّق باحتفال مزدوج: بمجمع أبرشيّ لمدينة روما، وبمجمعٍ مسكوني للكنيسة الجامعة..." (1).

لم يُعقد المجمع الفاتيكاني الثاني لمعالجة هرطقة أو أمر شديد الخطورة، وهو المجمع الذي واجهت الكنيسة فيه حقيقتها في العمق أكثر من أي مجمع آخر، وتوجّهت من خلاله إلى العالم باستقلالية، وثباتٍ نادرَين، بعد أن بدا لبعضِهم أنّ هذا العالم قد تخلّى عن الكنيسة ودورها، ولم يَعُدْ بحاجة إليها.

شهد العالم في خلال قرن واحد تغييرات عجزت عن تحقيقها عشرات القرون السالفة ولا سيّما في مجاَلي العلم والتقنية. ولم يخْفَ على أحد ما خلّفته هذه الثورة العلمية في نفوس الأشخاص، على أكثر من صعيد، والتساؤلات التي طرحتها على أكثر من مستوى. فكان لا بدّ أن تخرج الكنيسة من عزلتها وتستجيب لانتظار الكثيرين الذين راحوا يتطلعون إليها، علّّها تمدّهم بالحل الشافي. أضِفْ إلى ذلك تفَشي الإلحاد المستشري، والسباق إلى التسلّح، والانقسامات المريرة في صفوف المسيحيين... فهل ثمة من حاجة أكثر إلحاحاً تستوجب عقد مثل هذا المجمع؟

لقد أراد البابا يوحنا الثالث والعشرون تجديد الكنيسة. والتجديدُ في عُرفِه إنّما يكمُن سرّه "في أن الإصلاح في الكنيسة ليس ثورة كسائر ثورات القصور، بل تحوّل في القلوب، في أن الترميم يتخطى كونه العودة إلى حالةٍ مادية سابقة، بغضّ النظر عمّا بين هاتين المرحلتين، ليُصبحَ هذا التجديد عودة إلى الأصول، وإعادة اتّصال عفويّة بالإنجيل المقدس والتقليد القديم..." (2). لقد أراد هذا البابا المجمع "عنصرة جديدة"يستسلم فيها الجميع للروح القدس، و"عودة إلى الينابيع" يغرُفون فيها من مناهل الإنجيل، حتى إذا ما عادت إلى الكنيسة نصاعتها، أشرعت أبوابها ونوافذها في انطلاقة رسوليّة جديدة، لأن الرسالة بُعدٌ أساسي في العنصرة.

وبما أنّ الوحدة هي من صُلب العنصرة، كما تعلّمنا الليتورجيا المقدسة، ومن خلالها اللاهوت، في قنداق العنصرة: "لما نزل العلي وبلبل الألسن قسّم الأمم، وحين وزّع الألسن النارية، دعا الجميع إلى الوحدة، فنُمجّد الروح القدس باتّفاق الأصوات"، فقد علا صوت البابا منادياً بهذه الوحدة وطاغياً على ما سواه من الأصوات الناشزة المشوّشة. في 26 كانون الثاني 1959، أي في اليوم التالي لإعلان الدعوة إلى المجمع، علّقت جريدة "الأوسرفاتوري رومانو" على النبأ بما يلي:

"إنّ المجمع في نظر الأب الأقدس، لا يهدف فقط إلى خير الشعب الكاثوليكي بل يسعى أيضاً إلى أن يكون نداءً إلى الجماعات المُنفصلة يدعوها إلى الوحدة التي باتت تصبو إليها نفوس كثيرة على وجه الأرض" (3). ولقد أثارت هذه الدعوة إلى مجمع مسكوني "ردّات فعل مختلفة من انب الإخوة المسيحيين غير الكاثوليك، امتازت جميعها بالترحيب يشوبه بعض الحذَر والارتباك، بانتظار ما سوف يطرأ من أحداث قد تَقْلِبُ المقاييس وتخفق واقعاً جديداً. لكن "المجمع المسكوني" يتطلّب مشاركة جميع أساقفة العالم، وهو أمر مستحيل في نظر الإخوة الأرثوذكسيين، ولا سيّما الذين حصروا اعترافهم بمسكونية المجامع السبعة الأولى. غير أنّ حضور المراقبين من مختلف الكنائس، والتفاعل الذي حصل، جعلا من المجمع الفاتيكاني الثاني أكثر من "مجمع عام" تعقده الكنيسة الكاثوليكية في معزل عن المسيحيين الآخرين. أمّا ما حققه المجمع الفاتيكاني الثاني والمكانة التي احتلّها في تاريخ الكنيسة، وتأثيره على حياتها ومسيرتها، فالحكم في هذا كلّه متروك للتاريخ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1) D.C. 29Mars 1959.Nº 1300 ,col. 387- 388

2) LAURENTIN, Rene: L'enjeu du concile,Seuil, Paris, 1962, p. 104

3) المرجع نفسه، ص 98.
 


الصفحة الرئيسية
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى



 


الصفحة الرئيسية
 

الصفحة التالية