أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق المجمع

      

 دستور رعائي في الكنيسة في عالم اليوم                                                     Gaudium et spes


(ج) في بعض واجبات المسيحيين الأكثر الحاحاً بالنسبة الى الثقافة


الإعتراف بحق الجميع في الثقافة وتحقيقه العملي

60-
بما أننا نستطيع اليوم إنقاذ الناس في أكثريتهم من آفة الجهل، هناك واجبٌ يليق الى أسمى حدّ بعصرنا وخاصةً بالمسيحيين: وهو أن نعمل دون هوادة مادياً وسياسياً، على المستوى الوطني وعلى المستوى الدولي، كي تُتخذ التقارير الجذرية التي من شأنِها أن تقود الى الإعتراف بحق الجميع في التعاون وفي كل مكان، وأن نؤمّن تحقيقَه، وذلك وفقاً لكرامة الشخص البشري، دون تمييزٍ في العرق أو الجنس أو الأمة  أو الديانة أو الوضع الإجتماعي (131). ولذا يلزم أن نوفر لكل واحد الكمية الكافية من الخيور الثقافية، خاصة تلك التي تدعى ثقافة "أساسية" حتى لا يُحرم العدد الكثير من المساهمة، بطريقة إنسانية حقة (132)، في الخير العام بسبب الأمية وضعف المبادرة.

وبالتالي يجب أن نتوق الى توفير الإمكانية، لمن يستطيعون، حتى يتابعوا دروساً عالية؛ وبطريقة تمكنهم قدر المستطاع من أن يتسلموا الوظائف ويلعبوا دوراً في الحياة الإجتماعية ويؤدوا خدمات تتفق ومؤهلاتهم أو مع الجدارة التي اكتسبوها (133). وهكذا يتمكن كل إنسان، وكل فئة اجتماعية من كل شعب، بلوغ الإزدهار الثقافي الكامل وفقاً لمواهبهم وتقاليدهم.

علاوة على ذلك يجب أن نعمل وسعنا ليُدرك كل واحدٍ حقَه وواجبه في التثقيف دون أن ينسى ما عليه من الزام في مساعدة الأخرين حتى يتثقفوا هم أيضاً. فهنا وهناك، أوضاع حياة وعمل تعاكس جهود البشر الساعين الى الثقافة وتفقدهم الرغبة فيها. وهذا ينطبق بنوع خاص على المزارعين والعمال، الذين يجب أن تُوفر لهم أوضاعَ عملٍ لا تعوقهم عن تثقيف ذواتهم، بل بالأحرى تدفعهم الى ذلك. إن النساء يشتغلن اليوم تقريباً في مجالات العمل كلها؛ ومع ذلك يحسن أن يتمكنن تماماً من أن يلعبن دورهن وفقاً لمؤهلاتهن الخاصة. وإنه لمن واجبِ الجميع أن يعترفوا بضرورة إشتراك
النساء إشتراكا مميزاً في الحياة الثقافية ويشجعوه.

في تثقيف الإنسان تثقيفاً كاملاً

61-
إزدادت الصعوبات في أيامنا أكثر منه في الماضي للجمع بين مختلف فروع المعرفة وفنونها؛ فبينا يتكاثر حجم العناصر الثقافية وتنوعها، تتضاءل بالوقت ذاتِه مقدرةَ كلِّ إنسان في إدراك هذه العناصر والتوفيق بينها، حتى أن صورة "الإنسان الشامل" أخذت تختفي شيئاً فشيئاً. ومع ذلك لا يزال الواجب يفرض على كل إنسانٍ المحافظة على شخصيته بتمامها حيث تسود القيم من ذكاءٍ وإرادة وضمير وأخوّة، تلك القيم التي تجد كل أساسَها في الله الخالق، قيمٌ تعافت بالمسيح وبه تسامت بطريقة عجيبة.

إن العائلة هي، في بادىء الأمر، بمثابة الأم المرضع لهذه التربية: ففيها، إذ يحاط الأبناء بالحب، يكتشفون بمزيد من السهولة ما بين القيم من مراتب. بينما تنطبع في عقل المراهقين، كلما تقدموا في العمر، عناصرَ ثقافةٍ امتحنها الزمن بطريقة قريبة من اللاوعي.

وفي سبيل هذه التربية نفسها، ترتع المجتمعات اليوم، خاصة بفضل إنتشار الكتب المتزايد وبفضل وسائلَ النشرِ الجديدة الثقافية والإجتماعية، ترتع بخيراتٍ مناسبة من شأنها أن تسهل تعميم الثقافة. فمع تخفيض ساعات العمل الذي يعم الجميع، تتضاعف فرص التثقيف لأكثرية الناس. ويجب إستخدام أوقات اللهو إستخداماً حسناً للترويح عن النفس ولتقوية صحة الجسد والروح، وذلك بالانكباب على النشاطات الحرة وعلى الدروس غير النفعية. وتتضاعف فرص التثقيف أيضاً بمناسبة الأسفار الى بلدان أخرى (سياحة)، أسفار تثقل العقل، وتغني الإنسان بمعرفته للآخرين. وكذلك بواسطة التمارين الجسدية والأعمال الرياضية التي تساعد على حفظِ توازنٍ نفسي جيد، فردي وجماعي، ولقيام علاقات أخوية بين البشر مهما تباينت أوضاعهم وأممهم وأجناسهم. فليشتركْ المسيحيون إذاً بالتظاهرات والأعمال الثقافية الجمهورية المعاصرة، وليؤنسنوها ويشبعوها من الروح المسيحية.

ومع ذلك إن كل هذه المنافع قد لا تؤدي الى تحقيق التربية الثقافية الكاملة للانسان إن لم نتساءل في الوقت نفسه عن المعنى العميق للثقافة والعلم بالنسبة الى الشخص البشري.

الوفاق بين الثقافة والدين المسيحي

62-
وإن تكن الكنيسة قد ساهمت مساهمةً واسعة في تقدم الثقافة، يبين الإختبار مع ذلك أنه، لظروف طارئة، ليس من السهل دائماً أن يتحقق الوفاق بين الثقافة والدين المسيحي.

إن هذه الصعوبات لا تُلحق الأذى حتماً بحيوية الإيمان بل قد تحث على تفهّمه تفهماً أدق وأعمق. فإكتشافات العلوم وآخر الأبحاث بما فيها التاريخية والفلسفة تثير مشاكل جديدة تحمل في طيها نتائج الحياة نفسها، وتتطلب، من اللاهوتيين أنفسهم، أبحاثاً جديدة. فهم مدعوون إذاً، مع إحترامِهم لأساليب العلوم اللاهوتية وقواعدِها الخاصة، الى أن يبحثوا دون توقف عن الطريقة الفضلى لإيصال التعليم إلى معاصريهم البشر. فالوديعةُ نفسُها وحقائق الإيمان شيء، وطريقة التعبير عنها شيءٌ آخر، شرط أن يحافظ على معناها وفحواها (134). ففي الرعائيات يجب ألا تُعرف معرفةً كافية مبادىء اللاهوت وحسب، بل يجب الإلمام بالإكتشافات العلمية الدنيوية، لا سيما علم النفس والإجتماع، وذلك ليستعملوها: وبهذه الطريقة يتوصل المؤمنون بدورهم الى حياة إيمان أكثر نقاوة وأشد نضجاً.

إن للآداب والفنون، على طريقتها، أهمية كبرى لحياة الكنيسة. تحاول أن تعبر عن طبيعة الإنسان بالذات، وعن مشاكلِه ومحاولاتِه لمعرفة ذاتِه ولرغبتِه في كمالِه الذاتي وكمالِ العالم. وتنكب على إكتشاف منزلتِه في التاريخ والكون، فتلقي الأضواء على أفراحِه وتعاستِه، وعلى إحتياجات البشر وقواهم، وتقدّم الخطوط الأولى لمصير إنساني يكون أكثر سعادة. فهي إذاً قادرة على أن ترفع الحياة الإنسانية التي تعبر عنها تحت أشكال متعددة وفقاً للازمنة والأمكنة.

يجب العمل إذاً على أن يشعر كل الذين يمارسون هذه الفنون، إن الكنيسة تفهمُهم وتقدر نشاطاتَهم. وإذا ما ضمَنوا لذواتِهم حريةً مألوفة، يسهل التبادل بينهم وبين الجماعة المسيحية. وإن الكنيسة لتعترف أيضاً بأشكال الفن الجديدة التي تناسب معاصرينا، وفقاً لعبقرية الأوطان والمناطق المختلفة. ولا مانع من أن تُقبل أيضاً في المعابد عندما ترفع العقل الى الله (135) لاستعمالها طرق تعبير مناسبة لمقتضيات طقوس الكنيسة ومطابقة لها.

وهكذا يشرق مجد الله ويزداد تألقاً. فإن كرازة الإنجيل تظهر أشد وضوحاً للعقل البشري وتبدو وكأنها تتلاءم وطبيعة الإنسان الحياتية.

فليحيَ المؤمنون إذاً بإتحاد وثيق مع سائر الناس معاصريهم، وليجتهدوا في أن يعرفوا معرفةً عميقة طرق تفكيرِهم وشعورِهم كما يعبرون عنها بثقافاتِهم. وليجمعوا معرفةَ العلوم والنظريات الجديدة وأحدث الإكتشافات الى أخلاق العقيدة المسيحية
وتعليمها، حتى يسيرَ عندهم جنباً الى جنب الذوق الديني والإستقامة الأخلاقية مع المعرفة العلمية والتقدم التقني المتواصل، فيستطيعون هكذا، أن يقدروا كل شيء ويشرحوه بحسٍ مسيحي حق.

أما الذين يواظبون على العلوم اللاهوتية في المدارس الإكليريكية والجامعات، فليرغبوا في المساهمة مع الناس، الذين لهم خبرة في سائر العلوم، واضعين طاقاتِهم ووجهاتِ نظرهِم، تحت تصرفِ بعضهِم بعضاً. فمن واجب البحث اللاهوتي أن يتعمق في الحقيقة الموحاة، دون أن ينعزل عن العصر، وذلك لتمهيد الطريق أمام المثقفين في مختلفِ فروعِ المعرفة، فيفقهوا عقيدةَ إيمانِهم بطريقةٍ فضلى. إن هذا الإتفاق الخيّر يؤدي خدمات جلّى لتثقيف رجال الدين: فيستطيع هؤلاء أن يعرضوا تعليم الكنيسة، عن الله والإنسان والعالم، بطريقة تتناسب وعقلية معاصرينا، فيقبلون كلمتهم بطيبةِ خاطر (136). أضف الى ذلك أملُنا في أن يقبل الكثير من العلمانيين تربية كافية في العلوم المقدسة، فيتفرغَ لها العديدون ويتعمقوا بها. ولكن حتى يقدروا أن يقوموا بهذه المهمة خير قيام، يجب أن يُعترف للمؤمنين، من إكليروس وعلمانيين، بالحرية الكافية في البحث والتفكير والاعراب عن وجهة نظرهِم بتواضعٍ وإقدام في حقل جدارتِهم (137).

ــــــــــــــ

131- يوحنّا 23ً : الرسالة " السلام على الأرض" – أ.ك.ر. 55 (1963) ص 260

132- يوحنّا 23ً : المرجع نفسه ص 283 .- بيوس 12ً : رسالة اذاعية في 24 كانون الأوّل 1941 – أ.ك.ر. 34 (1942) ص 16 – 17

133- يوحنّا 23ً : الرسالة : " السلام على الأرض" : أ.ك.ر. 55 (1963) ص 260

134- يوحنّا 23ً : الخطاب الذي ألقاه في افتتاح المجمع ، في 11 ت 1 ، سنة 1962 : أ.ك.ر. 54 (1962) ، ص 792

135- دستور عقائدي في الليترجيّا المقدّسة، الرقم 123

136- م.ف. 2 : قرار في التنشئة الكهنوتيّة، وبيان في التربية المسيحيّة

137- م.ف. 2 : دستور عقائدي في الكنيسة، الرقم 37

 
 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي