|
دستور
رعائي في الكنيسة في عالم اليوم
Gaudium et spes
الفصل الثاني: الجماعة الإنسانية
الغاية التي يتوخاها
المجمع
4323
-23- مِن بين أخص
مظاهر عالم اليوم، يجب أن نعد تزايد العلاقات بين البشر، تلك العلاقات
التي يُسهم التقدم التقني الحالي في توسُّعها وإنتشارها. غيرأن الحوار
الأخوي بين البشر لا يكتمل على هذا المستوى، بل على مستوى أعمق في
جماعةِ الأشخاص، وهذه الجماعة تفترضُ الإحترامَ المتبادل لكرامتِهم
الروحية التامة. إنَّ الوحي المسيحي يؤيِّد، تمامَ التأييد، إنطلاقةَ
هذه الشركة بين الأشخاص؛ كما أنّه يقودنا بالوقت ذاتِهِ إلى تفهُّمٍ
أنْفَذ لنواميسِ الحياة المجتمعية، تلك النواميس التي
وضعها الخالق في طبيعةِ الإنسان الروحية والأخلاقية.
ولكن بما أن هناك وثائقَ حديثةً وضعتها السلطةُ التعليميةُ في
الكنيسةِ، وشَرَحَت فيها باسهابٍ التعليمَ المسيحي حول المجتمع
الإنساني (42) يكتفي هذا المجمع بالتذكير ببعض
الحقائقِ الكبرى التي يَعرُضُ أسسَها على ضوء الوحي، مركّزاً فيما بعد
على بعض النتائج التي تتَّسِمُ بأهميةٍ خاصة في عصرنا اليوم.
للدعوة الإنسانية في تصميم الله ميزة جماعية
4324
-24- إنّ الله
الذي يسهرُ على الجميع سهرَ الوالد، شاءَ أن يؤلِّفَ البشرُ أجمعون
عائلةً واحدةً، ويُعاملَ بعضهم بعضاً كأخوةٍ. فكلُّهم خُلقوا على صورةِ
الله "هو الذي أسكَنَ على وجهِ الأرض كلّها البشريةَ بأسرها التي خرجت
من مبدأ واحد" (أع 17 / 26). ولقد دُعوا جميعاً إلى الغاية الواحدة
ذاتها وهذه الغاية هي الله نفسه.
ونتيجةً لذلك إن أعظم الوصايا وأولها هي حبُّ الله وحبُّ القريب.
ويعلمنا الكتاب المقدس بدوره أن حبَّ الله لا ينفصل عن حب القريب، "وكل
وصية أخرى تُلخَّصُ بهذه الكلمة: أحبب قريبك كنفسك. فالمحبة هي تمام
الناموس" (رو 13 / 9 -10؛1 يو
4
/ 20). وإنه لمِن الواضح أن ذلك هو ببالغِ الأهمية
بالنسبة إلى البشر الذين يزدادُ إرتباطُهم بعضهم ببعض في عالمٍ لا ينفك
يتوحَّد.
وبالحقيقةِ، فعندما يصلي السيد يسوع المسيح إلى الآب ليكون "الجميعُ
واحداً كما نحن واحد" (يو17 / 21 - 22)، يفتح آفاقاً لن يتوصل إليها
العقل. كما أنه يُوحي لنا بأن هناك شَبهاً بين إتحاد الأقانيم الإلهية
وإتحادِ أبناءِ الله في الحق والمحبة. وهذا الشبه يبين بوضوحٍ أن
الإنسانَ، تلك الخليقة الفريدة التي أرادها الله لذاتها، لا يستطيع أن
يجدَ ذاتَه تماماً، إلا ببذلِ ذاته دون مقابل (43).
ارتباط الشخص بالمجتمع
4325
-25- إن الميزة
الإجتماعية التي يتميَّزُ بها الإنسان تُظهرُ أن هناك إرتباطاً بين
إنطلاقةِ الشخص وتقدُّمِ المجتمع ذاته. فالشخص الإنساني، بطبيعته
نفسها، فيه حاجة ماسة إلى حياةٍ إجتماعيةٍ ومن ثم يجبُ أن يكون قاعدةً
لكلّ المنظمات وموضوعها وغايتها (44). فالحياةُ الإجتماعية ليست للإنسان
شيئاً إضافياً: فبالتبادلِ والحوارِ مع إخوته
وبالخدمات التي يؤديها الواحد للآخر، يَنمو الإنسان وفقاً لكلّ
طاقاتِهِ ويستطيع أن يجيبَ على دعوته.
ومن الروابط الإجتماعية الضرورية لإنطلاقة الإنسان أنَّ بعضَها يتفقُ
مباشرةً وطبيعته الحميمة كالعائلة والجماعة السياسية، وبعضها الآخر
منوطٌ بالأحرى بإرادته وحريته. وفي أيامنا تزدادُ وتتضاعفُ العلاقاتُ
المتبادلة والإرتباطات المشتركة يوماً بعد يومٍ، تحت تأثيرِ عواملَ
متعددة: ومن هنا تنشأ الجمعياتُ والمنظماتُ المختلفة التي يُقرّها
الشرع العام أو الخاص. وإن تلك الظاهرة – التي تُدعى التشارك - وإن لم
تكن دون أخطارٍ، فإنها تحمل مع ذلك منافعَ متعددة، تسمحُ بتثبيتِ
وإنماءِ صفات الشخص الإنساني وحماية حقوقه (45).
ولكن إذا كان الأشخاص البشريون يفيدون كثيراً من الحياةِ الأجتماعية
لتلبيةِ دعوتِهم وتكميلها حتى من الناحية الدينية، لا نقدرُ أن ننكرَ
مع ذلك أن البشر غالباً ما نَراهم يتحولون عن الخيرِ ويندفعون إلى
الشر، من جراءِ الأوضاع الإجتماعية التي يعيشون وتلفّهم منذ حداثتهم.
أَجَل إن قسماً من الفوضى التي غالباً ما نجدها في النظام الإجتماعي
ينتج عن التوترِ الساري ضمن الأوضاع الإقتصادية والسياسية والإجتماعية.
وإذا نظرنا نظرةً أعمق رأينا أن هذه الفوضى ناتجة عن كبرياءِ البشر
وأنانيتهم اللتين تفسدان أيضاً المناخ الإجتماعي. وحيث تنال نتائجُ
الخطيئة من نظامِ الأمور الطبيعية، فالإنسان الذي يميلُ إلى الشر منذُ
ولادته، يجدُ دوافعَ جديدةً تدفعه إلى الخطيئة: ولن يتمكن من التغلب
على ذلك إن لَم يبذل جهوداً جبارة وإن لَم تسانده النعمة.
تشجيع الخير العام
4326
-26- بما أن
العلاقات البشرية
أخذت
تتأصل وتنتشر رويداً رويداً لتعمّ الكون بكامله، أخذ الخير العام -
والخير العام هو مجموعة أوضاع وظروف إجتماعية تسمحُ للجماعات ولكلّ فرد
من أفرادها بالوصول إلى الكمال بطريقةٍ أكثر شمولاً وسهولة - أخذ اليوم
ينتشر ويتسع أكثر فأكثر؛ ومن ثم فإنه يحوي ضمن طيّاته حقوقاً وواجبات
تتعلق بالجنس البشري بأسره. وعلى كلِّ جماعة أن تحسب حساباً لحاجاتِ
الجماعات الأخرى وتوقها الشرعي كما أن عليها أيضاً أن تحسب حساباً
للخير العام الذي يشمل العائلةَ البشرية بكاملها (46).
ويزدادُ بالوقت نفسه الشعور بكرامةِ الإنسان السامية التي تفوق كلَّ
شيء والتي لا تُمس حقوقها وواجباتها الشاملة. فمن ثم يجب أن يوفَّرَ
للإنسان كلُّ ما يحتاجه ليعيش حياةً إنسانيةً حقة، مثلاً: الغذاء
والكساء والمسكن، والحق في إختيار الحياة التي يريد إختياراً حراً،
والحق في أن يؤسِّس عائلة ويربيها، والحق في العمل والصيت والإحترام
والإطلاع الوافي، والحق أن يتصرف حسب قاعدة ضميرِه الصحيحة، والحق في
المحافظةِ على حياتِهِ الخاصة وفي حريةٍ عادلةٍ حتى في القضايا الدينية.
ويجب أن يهدف دوماً النظام الإجتماعي وتقدمه إلى خير الأفراد لأن نظام
الأشياء يجب أن يخضع لنظامِ الأشخاص وليس العكس بالعكس. والسيد نفسه
ألْمَحَ إلى ذلك عندما قال: "إن السبت خُلِقَ للإنسان ولم يخلق الإنسان
للسبت" (47) ويجب أن يتقدم هذا النظام بإطراد
مؤسَّساً على الحقيقة، مبنياً على العدالة ومنتعشاً بالحب. كما أن عليه
أن يجد في الحرية توازناً أكثر إنسانية (48).
وللبلوغِ إلى هذا المستوى يجب العمل على تجديد الذهنيات والبدء
بتبديلاتٍ إجتماعية واسعة.
إنَّ الروح الله الذي يوجِّهُ بعنايةٍ عجيبةٍ سَير الأزمنة ويجدِّدُ
وجهَ الأرض هو يُشرف على هذا التطور. أما الخميرة الإنجيلية فهي التي
عَملت وتعمل على أن تبعث في قلب الإنسان شعوراً بالكرامة لا يُقهر.
إحترام الشخص الإنساني
4327
-27- للوصول إلى
إستنتاجاتٍ عملية لها صفةُ الإستعجال الخاص، يشدِّدُ المجتمع على
إحترام الإنسان: ليعتبرنَّ كل إنسان قريبه، دون إستثناء أحد، "كذاته
الأخرى"؛ ليهتمنّ قبل كل شيء بوجودِهِ وبالوسائل الضرورية التي تمكنه
من عيشٍ كريم(49)، وليحذرن مِن أن يتشبه بذلك الغني الذي لم يأبه قط للعازر
المسكين (50).
في أيامنا هذه خاصة، علينا واجبٌ حتميٌّ يقضي بأن نعتبر أنفسنا أقرباء
لكلّ إنسان وأن نخدمه بإندفاعٍ إذا حضر أمامنا: لا فرق إن كان ذلك
الشيخ الذي أعرض عنه الجميع، أم ذلك العامل الغريب الذي يُلاقي
الإزدراء دونما سبب، أم ذلك المنفي أو ذلك الولد الذي وُلِدَ سفاحاً
فيتحمّل مظلوماً وَقْرَ إثمٍ لَمْ يرتكبه، أم ذلك الجائع الذي ينتهر
ضميرنا فيذكرنا بكلام الرب القائل: "إن كل ما فعلتموه إلى إخوتي هؤلاء
الصغار فلي أيضاً فعلتموه" (مت 25 / 40).
علاوةً على ذلك، إنَّ كلَّ ما يضادّ الحياة نفسها، كأنواعِ القتل
والوأدِ والإجهاض والإجهاز على المرضى والإنتحار عمداً؛ كما أن كلَّ ما
يُشكل إنتهاكاً للإنسان بكامله كقطعِ الأعضاء والتعذيب الجسدي والمعنوي
والضغط النفسي؛ كما أنَّ كلَّ ما يُسيء إلى كرامة الإنسان كأوضاع
الحياة المنحطّة والسجن دون مبررٍ والسَبي والإستعباد والبغاء
والمتاجرة بالنساء والأولاد؛ وأيضاً أوضاع العمل المحقِّرة، التي
تُحوِّلُ العاملَ إلى مجرَّدِ آلةٍ، دون أي إعتبارٍ لشخصيته وحريته
ومسؤوليته: إنّ كلَّ هذه التصرفات والعادات التي ذكرنا وما يشبهها هي
في الواقع مشينة؛ فبينما تُفسد الحضارة، تُلحِق العار بالذين يتعاطونها
أكثر مما تلحقه بضحاياها؛ وتتعارضُ تعارضاً قوياً وشَرَفَ الخالق.
ـــــــــــــ
42- يوحنا 23ً : الرسالة العامّة "أمّ ومعلمّة" 15 أيّار 1961 :
أ.ك.ر. المجلّد 53 (1961) ص 401 – 464 ، والرسالة "السلام في الأرض"،
11 نيسان 1963 : أ.ك.ر. 55 (1963) ص 257 – 304. – بولس 6ً : الرسالة
"كنيسته" 6 آب 1964 : أ.ك.ر. 56 (1964)، ص 609 – 659 43- لو 17 / 33
44- القدّيس توما: الأخلاقيات، الجزء الأول، الدرس الأوّل
45- يوحنا 23ً : الرسالة "أم ومعلّمة": أ.ك.ر. 53 (1961) ص 418 ،
وبيوس 11ً : الرسالة "السنة والأربعون"، 15 أيار 1931 : أ.ك.ر 23
(1931) ص 222 وما يليها
46- يوحنا 23ً : الرسالة "أمّ ومعلّمة" : أ.ك.ر. 53 (1961) ص 427
47- مر 2 / 27
48- يوحنا 23ً : الرسالة "السلام في الأرض" أ.ك.ر. 55 (1963)، ص
266
49- يع 2 / 15 – 16
50- لو 16 / 19 – 31 |