بيان في الحرية الدينية                                                                     Dignitatis Humanæ

2) الحرية الدينية في ضوء الوحي

للتعليم في موضوع الحرية الدينية جذورٌ في الوحي

4244 -9- إنّ ما يُعلنه هذا المجمع الفاتيكاني في شأنِ حقّ الإنسانِ في الحرية الدينية يقومُ على كرامةِ الشخصِ الإنسانيّ التي اتّضحتِ مُقتضياتُها للعَقلِ البشري أكثر فأكثر عَبْرَ العُصورِ وما تخللها من تجارب. وفضلاً عن ذلك فَلِهذا التعليم في موضوع الحرية جذورٌ في الوحي الإلهي، ولهذا وجبَ على المسيحيين أن يكونوا عليه وعلى تقديسهِ أشدّ حِرصاً.

وبالرغم من أن الوحي الإلهي لا يُشيرُ بوجهٍ محدَّد إلى حقّ التأمين ضدّ كلّ إكراهٍ خارجي في الشؤون، إلا أنه يكشف عن كرامةَ الإنسانِ في أبهى صورها، ويوضّح كيف احترم المسيح حريّة الإنسان في ما يختصُّ بأدائه لواجب الإيمان بكلمة الله، وهذا يُرشدنا إلى المنهج الذي يجب أن يتبعه تلاميذ هذا المُعلِّم.

ذلك يُبرِزُ بجلاءٍ المبادئ العامة التي استند إليها هذا البيان حول الحرية الدينية في المجتمع، وكيف أنها تتفق تماماً وحريّة فعل الإيمان المسيحي. 

الحرية وفِعلُ الإيمان

4245 -10- في رأس المبادئ المُهمّةِ التي يقومُ عليها التعليم الكاثوليكيّ، والتي انطوتْ عليها كلمةُ الله وتردَّدتْ على ألسِنةِ الآباء (7) في غير انقطاعٍ أنَّ الإنسانَ لا يَستَجيبُ دعوةَ الله إلى الإيمان إلا طوعاً وفي حرية إرادة، ومن ثمَّ فلا يجوزُ الضَّغطُ على أحدٍ ليعتنِقَ الإيمانَ مُكرهاً (8). ففي طبيعة فعل الإيمان نفسِها أنّه طوعيٌّ، لأن الإنسانَ، وقد افتداهُ يسوعُ المُخلّصُ ودعاه يسوعُ المسيحُ إلى التَّبني (9)، لا يستطيعُ الالتحاقَ بالله الذي كشفَ عن ذاتهِ بالوحي ما لم يَجتذِبْهُ الآب (10) ويَتقدّم بإيمانه إلى الله في وَعي العقلِ وحريَّةِ الإرادة. وهكذا فمن أشدِّ الأمور مُناسبةً لطبيعةِ الإيمان أن يَتجنَّب الناسُ، في أمورِ الدين، كلَّ نوعٍ من أنواعِ الضغط. فيكونُ من ذلك أنَّ جوَّ الحرية الدينية يُساعدُ مساعدةً شديدةً على خلْقِ مُناخ يتمكّنُ فيه الناس من الإقبال على الإيمان المسيحي في يُسر، ومن اعتناقهِ تلقائياً، والإعتراف به حياتهم كلَّها في حرارةٍ واندفاع.

نهج المسيح والرسل في العمل

-11- بلا شك – يدعو الله الإنسان إلى خدمتهِ بالروح والحقّ، ولئِن كانت هذه الدعوة تُلزِمُ ضميرَ الإنسانِ إلا أنها لا تتضمَّنُ إكراهاً – والله الذي خلقَ الإنسانَ بنَفْسِهِ، يحترم في الواقع كرامة هذا الإنسان، الذي ينبغي أن يسلكَ وفقاً لما يعتقِده وبحرّيته الشخصيّة، وقد تجلّى ذلك في أكمل صورةٍ في يسوع المسيح إذ أظهرَ الله ذاتهُ فيهِ على وجهٍ كامل، وأوضَحَ من خلاله طرقه.

إن المسيح معلّمنا وسيّدنا (11)، الوديع والمتواضع القلب (12)، اجتَذَبَ الرسلَ بصبرٍ ودعاهم إليهِ (13) وأيَّدَ تعاليمَهُ وثبَّتَها بالمعجزات لِيُحرِّك ويُقوّي إيمان سامعيهِ لا ليَفرض عليهم أيَّ ضغطٍ (14). أجَلْ لقد عاتبهم لقلَّةِ إيمانهم – غير أنَّه ترك لله أن يُجازي يوم الدينونة (15)، وحين أرسل تلاميذه إلى العالم قال لهم: ".. مَن آمنَ واعتمدَ يخلُص ومَن لم يؤمن يُدان.." (مر 16 / 16) ومع علمه بأمرِ الزؤان في وسطِ الحنطة، فإنّه يأمر هو ذاته بأن يُترَكَ الإثنان أي الحنطةُ والزؤان ليَنبتا سوياً حتى يوم الحصاد في نهاية الدهر (16).

والمسيح لم يشأ أن يكون مسيحاً سياسياً يحكمُ بالقوة (17). فقد آثرَ أن يقولَ عن نفسِهِ: أنه ابن الإنسان الذي أتى ".. ليَخدُم ويبذُل نفسه فداءً عن كثيرين.." (مر 10 / 45)، وأَظهَرَ ذاته الخادم الكامل لله (18)، وهو الذي ".. لا يكسر قصبةً مرضوضةً لا يطفئ سراجاً مدخّناً.." (مت 12 / 21)، ويعترف بالسلُطات المدنية وحقوقها فيأمر بدفعِ الجزية لقيصر، في الوقتِ الذي يطلبُ احترام حقوق الله العُليا فيقول: "أوفوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله .." (مت 22 / 21)، وأخيراً وقد أكمل الوحي، إذ أتمَّ على الصليبِ ذبيحة الفِداء الذب به نال البشرُ الخلاصَ والحريّة، شهِدَ للحقّ (19) ولمْ يشأ أن يفرضه بالقوة على معارضيهِ فهو لا يُدافع عن مملكته بقوّة السيف (20). هذه المملكة التي تتوطَّد بالخضوع للحق وبالشهادة لهُ وتنمو بقوَّةِ حبِّ المسيح الذي اجتَذَبَ إليهِ، وهو فوقَ الصليب، كلَّ الخليقة (21).

وتَعَلَّمَ الرسلُ من كلام المسيح واقتدوا بهِ، فتَرَسَّموا خُطاهُ، فلم يلجأوا في فجر حياة الكنيسة إلى طرقِ العنفِ ولا إلى وسائل الدهاء التي لا تليقُ بالإنجيل، ليحمِلوا الناس على الإعترافِ بهِ إلهاً، وإنَّما لجأوا قبلَ كلّ شيء إلى قوّة كلمة الله (22)، وأعلَنوا بشجاعةٍ تدابير الله المخلِّصة: ".. الذي يُريدُ أن يَخلُصَ جميعُ الناس فيَبلُغوا إلى معرفةِ الحقّ.." (1 تيم 2 / 4)، وفي الوقت نفسه كان موقفهم تجاه الضعفاء يتَّسِمُ بالإحترامِ حتى مَن كانَ منهم يعيشُ في ضلالٍ وأعلنوا أن ".. كل واحدٍ منّا سيُؤدّي حساباً لله عن نفسِهِ.." (رو 14 / 12) (23)، وأنّه مُلزَمٌ بطاعةِ ضميره الذاتي، واجتهدَ الرسلُ دائماً للسيرِ على نهجِ المسيحِ فشهدوا لحقائقِ الله وقد امتلأوا شجاعةً ونادوا بكلمة الله "بكلّ جرأة" (أع 4 / 29) (24) أمام كل الشعب ورؤسائه، فقد كانوا يؤمنون الإيمان الراسخ بأن الإنجيلَ  نفسه هو في الحقيقة قوّة الله لخلاصِ كل من يؤمن بهِ (25). ولمّا رفضوا كلّ "أسلحة الجسد" (26) اقتداءً بوداعةِ المسيح وتواضعهِ، بشَّروا بكلمة الله وهم على ثقة من أنّها قوّة إلهية قادرة على تحطيم القوى المعادية لله (27) وحَملِ الناسِ على الإيمانِ بالمسيح وطاعتِهِ (28). واعترفَ الرسلَ بشرعية السلطات المدنيّة كما فعلَ المعلم من قبل فقد قال الرسول: "إنّه لا سلطان إلا من عندِ الله" (رو 13 / 1) (29) وقال أيضاً: "لِتخضَع كلّ نفسٍ للسلاطين العالية فمن يُقاوم السلطان فإنما يُعانِدُ ترتيب الله" (رو 13 / 2)، ولكنهم في الوقت ذاته لم يَخشوا معارضةَ السُلُطاتِ العامة عندما كانت تناقضُ مشيئة الله المقدسة إذ "إنَّ الله أحقُّ من الناس بأن يُطاع" (أع 5 / 29) (30) وسلك هذا الطريق عددٌ لا يُحصى من الشهداء والمؤمنين في كل زمانٍ ومكان.

ــــــــــــــــ

7- راجع لاكتانسيوس، المؤسسات الإلهية، الكتاب الخامس 19: مجموعة كتابات الكنيسة اللاتينية 19 ص 463 – 465. آباء الكنيسة اللاتينية 6، 614، 616 (الفصل 20) القديس أمبروسيوس، رسالة إلى فالنتيانوس 21: آباء الكنيسة اللاتينية 16، 1005. القديس أغسطينوس، ضد كتابات بيتليانوس، الكتاب الثاني، الفصل 83: مجموعة كتابات الكنيسة اللاتينية 52 ص 112، آباء الكنيسة اللاتينية 43، 315، راجع فصل 22، السؤال 5، الفصل 33 (طبعة فرايدبرج، العمود 939). وأيضاً رسالة 23: آباء الكنيسة اللاتينية 33، 98. وأيضاً آباء الكنيسة اللاتينية 33، 135. القديس غريغوريوس الكبير، رسالة إلى فرجيليوس وتيودوروس أساقفة مارسيليا في غالية، سجل الرسالات، الجزء الأول 45: المصادر التاريخية الألمانية، رسالة 1 ص 72" آباء الكنيسة اللاتينية 77، 510 – 511، (الكتاب الأول، الرسالة 47). وأيضاً رسالة إلى يوحنا أسقف القسطنطينية، سجل الرسالات، الجزء الثالث 52: المصادر التاريخية الألمانية، رسالة 1 ص 210: آباء الكنيسة اللاتينية 77، 649 (الكتاب 2 الرسالة 53). راجع تمييز 45، الفصل الأول، (طبعة فرايدبرج، عمود 160). مجمع توليدوس 4، الفصل 57: مانسي 10، 633. راجع تمييز 45، الفصل 5 (طبعة فرايدبرج، عمود 161، 162). إكليمنضس الثالث، 10، 5، 6، 9: طبعة فرايدبرج، عمود 774. أنوشنسيوس الثالث، رسالة إلى رئيس أساقفة أرل 10، 3، 42، 3 (طبعة فرايدبرج، عمود 646).

8- راجع القانون الكنسي، قانون رقم 1351. بيوس الثاني عشر، خطاب إلى أساقفة محكمة الروتا 6 تشرين الأول 1946" أعمال الكرسي الرسولي 38 (1946) ص 394 وأيضاً رسالة عامة: "الجسد السري"، 29 حزيران 1943: أعمال الكرسي الرسولي (1943) ص 243.

9- راجع أفسس 1 / 5.

10- راجع يوحنا 6 / 44.

11- راجع يوحنا 13 / 13.

12- راجع متى 11 / 29.

13- راجع متى 11 / 28 – 30. يوحنا 6 / 67 – 68.

14- راجع متى 9 / 28 – 29. مرقس 9 / 23 – 24، 6 / 5 و 6. بولس السادس، رسالة عامة: "كنيسته"، 6 آب 1964: أعمال الكرسي الرسولي 56 (1964) ص 642 – 643.

15- راجع متى 11 / 20 – 24. روما 12 / 19 و 20. 2 تسالونيكي 1 / 8.

16- راجع متى 13 / 30 و 40 – 42.

17- راجع متى 4 / 8 – 10. يوحنا 6 / 15.

18- راجع إشعيا 42 / 1 – 4.

19- راجع يوحنا 18 / 37.

20- راجع متى 26/ 51 – 53. يوحنا 18 / 36.

21- راجع يوحنا 12 / 32.

22- راجع 1 كورنثوس 2 / 3 – 5. ا تسالونيكي 2 / 3 – 5.

23- راجع روما 14 / 1 – 23. 1 كورنثوس 8 / 12 – 13، 10 / 23 – 33.

24- راجع أفسس 6 / 19 – 20.

25- راجع روما 1 / 16.

26- راجع 2 كورنثوس 10 / 4 ، 1 تسالونيكي 5 / 8 – 9.

27- راجع أفسس 6 / 11 – 17.

28- راجع  2 كورنثوس 10 / 3 – 5.

29- راجع 1 بطرس 2 / 13 – 17.

30- راجع أعمال 4 / 19 – 20.

ــــــــــــــ
ملاحظة: الأرقام الواردة هي تلك المستعملة في كتاب "دنتسنغر ـ هونرمان". الكتاب متوفر باللغة العربية في جزئين تحت عنوان: الكنيسة الكاثوليكية في وثائقها، رقم 27 و28 من سلسلة "الفكر المسيحي بين الأمس واليوم"، منشورات المكتبة البولسية، عام 2001.


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي