|
دستور
عقائدي في
الوحي
الإلهي
Dei Verbum
الفصل الثاني: في تسليم الوحي الإلهي
الرسل وخلفاؤهم مبشرون بالإنجيل
4207
-7- لقد أعدَّ
الله بحلمه الفائقِ ما كان قد أوحى به لخلاصِ جميعِ الأممِ كي يدومَ
بكُلِّيَتِهِ مدى الدَّهر، ويُسَلَّمَ للأجيالِ كلها. ولهذا فإن
السيّدَ المسيحَ، الذي فيه يتمُّ وحيُ الله العلي بكاملِهِ (راجع 2 كو
1 / 30؛ 3 / 16 - 4 / 6)، بعد أن كمَّلَ وأعلن بنفسِهِ البشارةَ التي
كان الأنبياءُ قد وعدوا بها، أَمَرَ رسلَهُ وأعطاهم المواهبَ الإلهيَّة
ليكرزوا بها على الجميعِ يُنبوعاً لكلِّ حقيقةٍ خلاصيَّةٍ ونظامٍ
أخلاقي. ولقد تحقَّقَ ذلك بكلِّ أمانةٍ إما عن يَد الرسلِ الذين لم تكن
كرازتهم الشفوية ومثالهم ومؤسساتهم سوى نتيجةً لأقوالِ المسيحِ أو
لصُحبَتِه أو لأعماله أو لِما تعلَّموه بوحيٍ من الروح القدس الذي به
دوَّنوا بشارةَ الخلاص.
4208 -
بَيد أنَّ الرسلَ تركوا خلفاء لهم الأساقفة
"وسلَّموهم مكانتهم التعليميّة" لتظلَّ البشارةُ دائماً تامَّةً
وحيَّةً في الكنيسة. بناءً عليهِ أصبح التقليدُ المقدَّسُ والكتابُ
المقدس في عهدَيه بمثابةِ مِرآة تتأمل فيها الكنيسة، في غُربتها على
الأرض، في الله الذي يَمنحها كلَّ شيء إلى أن تَصِلَ إلى معاينته كما
هو وجهاً لوجه (راجع 1 يو 3 / 2).
التقليد المقدس
4209
-8- وعليه كان من
المفروضِ أن تُصانَ الكرازة الرسوليَّةُ المعبَّرُ عنها بصورةٍ خاصّة
في الكُتُبِ المُلهمة، وذلك بواسطةِ تَسلسُلٍ غيرِ منقطعٍ حتى إنقضاء
الدهر. ولذا فالرسل، وقد سلَّموا ما كانوا قد استلموه، يُنبِّهونَ
المؤمنين إلى التمسُّكِ بالتقاليد التي تعلَّموها سواء بالوعظ أو
بالرسائل (راجع 2 تيم 2 / 15) وإلى الجهاد في سبيل الإيمان (راجع يه 3)
الذي نُقل إليهم مرةً واحدة. وما نَقَلَهُ الرسل يشملُ كلَّ ما يُساعد
شعبَ الله على أن يعيشَ حياةَ قداسةٍ، وعلى أن ينموَ في الإيمان. وهكذا
فإن الكنيسة، بتعليمها وحياتها وطقوسها، تُخَلِّدُ وتنقل للأجيالِ
بأسرها كلَّ ما هي عليه وكلَّ ما تؤمن به.
4210 -
هذا التقليدُ الذي إستلمناه
مِن الرسل يتقدَّم في الكنيسة بمعونةِ الروح القدس. فإدراكُ الأمورِ
والأقوال المنقولة يَنمو إمَّا بتأمُّلِ المؤمنين الذين يُردِّدونها في
قلوبهم ودراستهم (راجع لو 2 / 19 و51)، وإمّا بتبصُّرِهِم الباطنيّ في
الأمور الروحية التي يختبرون، وإما بكرازةِ أولئك الذين تسلَّموا، مع
الخلافةِ الأسقفية، الموهبةَ الثابتةَ لتعليمِ الحقيقة. أي أنَّ
الكنيسةَ تتوق بإستمرارٍ، على مَرِّ الأجيال، إلى كمالِ الحقيقةِ
الإلهيَّةِ، إلى أن تَتمَّ فيها أقوال الله.
4211 -
تشهد أقوالُ الآباءِ
القديسين بحضورِ التقليد المُحيي الذي يَفيض مِن ثرواته على أعمالِ
الكنيسةِ وحياتها في إيمانها وصلاتها. فبفضل هذا التقليدِ يتَّضِحُ
للكنيسة قانون الأسفارِ المقدَّسة بكامله، بفضله أيضاً تُفهم الأسفارُ
المقدسة نفسها فهماً أعمق، وتصبح فعَّالةً بإستمرار. وهكذا فإنَّ الله
الذي تكلَّمَ قديماً، لا يزال يُكلِّم خطيبة إبنه الحبيب والروح القدس
الذي بفضلِهِ يُدوّي في الكنيسة وبواسطتها في العالم صوتُ الإنجيل
الحيّ، يقودُ المؤمنين إلى كلِّ حقٍّ ويجعلُ كلمةَ المسيح تحلُّ فيهم
بغزارة (راجع كول 3 / 16).
الصلة المتبادلة بين التقليد والكتاب المقدس
4212
-9-
ومن ثم فإن
التقليد المقدس والكتاب المقدس يرتبطان ببعضهما ويشتركان فيما بينهما
بصورةٍ وثيقة. وإذ ينبع كلاهما من المصدرِ الإلهي عينِهِ، فإنَّهما
يكونان نوعاً ما وحدة ويقصدان إلى الغاية نفسها. فالكتابُ المقدس هو
حقاً كلامُ الله بحيث أنَّه قد سُطِّرَ كتابةً بإلهامِ الروح القدس.
أمَّا التقليد المقدس فإنَّه ينقل كلام الله كاملاً - وقد ائتُمِنَ
عليه الرسلُ من لَدُنِ المسيحِ والروح القدس- إلى خلفائهم لكي يبشِّروا
به، وقد أَنارَهُم روح الحقِّ، ويحفظوه بأمانةٍ ويعرضوه وينشروه. فينتج
عن
ذلك أنَّ الكنيسةَ لا تَنْهَلُ اليقين عن محتويات الوحي كلّها من
الكتاب المقدس وحده. ولهذا علينا أن نقبل كليهما ونُجلَّهما بعاطفةٍ
واحدة من الحبِّ والإحترام.
التقليد، الكتاب المقدس، شعب الله وسلطة التعليم في الكنيسة
4213
-10- إنَّ التقليدَ المقدَّسَ والكتابَ
المقدَّسَ يُكوِّنانِ وديعةً واحدةً مُقدَّسة لكلامِ الله أوكِلَت إلى
الكنيسة. والشعبُ المقدَّسُ كلُّه، إذ يتعلَّقُ بهذه الوديعة متحداً
برعاتِهِ، يثبُتُ دون إنقطاعٍ على تعليمِ الرسل والشركةِ الأخويَّةِ،
وعلى كسرِ الخبز والصلوات (راجع أع 2 / 42 النص اليوناني) بحيثُ أنَّه
بحفظِ الإيمان المنقولِ والعملِ والمجاهرةِ به، تتكوَّنُ بين الأساقفة
والمؤمنين وحدةً في الرأي فريدة.
4214 -
أمَّا مهمةُ تفسيرِ كلام الله،
المكتوبِ أو المنقول، تفسيراً صحيحاً، فقد أُوكِلَت إلى سُلطَةِ
الكنيسةِ التعليميَّةِ الحيَّةِ وحدها، تلك التي تُمارَس بإسم يسوع
المسيح. على أنَّ هذه السُلطة ليست فوق كلام الله ولكنَّها تخدمه، إذ
إنها لا تُعلِّمُ إلا ما إستلمته، بحيث أنَّها بتكليفٍ من الله
وبمعونةِ الروح القدس تُصغي إليه بتقوى وتحفظه بقداسةٍ وتعرضه
بأمانةٍ. ومن وديعة الإيمان الواحدةِ هذه تنهلُ كل ما تقدمُّهُ من
حقائقَ يجبُ الإيمان بها كموحاةٍ من الله. بناءً عليه يتَّضِحُ أنَّ
التقليد المقدس والكتاب المقدس وسُلطة الكنيسة التعليمية، بتدبيرٍ
إلهيٍّ كُلّيَّ الحكمة، ترتبطُ ببعضها وتشتركُ فيما بينها، إلى حدِّ
أنَّ لا قيامَ للواحد منها دون الآخرين، وإنها كلّها مجتمعة، وبحسب
طريقةِ كلٍّ منها وبتأثيرِ الروحِ الواحدِ، تُساهم بصورةٍ فعّالةٍ في
خلاصِ النفوس.
ــــــــــــــ
8- متى 28
/ 19 - 20؛ مر 16 / 15. - م. ت.، الجلسة 4: قرار "في الكتب المقدسة
القانونية": دنتسنغر 783 (1501).
9- م.ت.:
المرجع نفسه. - م.ف.أ.، الجلسة 3: "دستور عقائدي في الإيمان
الكاثوليكي"، الفصل 3: "في الوحي": دنتسنغر 1787 (3006).
10- القديس
إيريناوس: ضد الهراقطة 3: 1: أ.ك.ي. 7: 848؛ هرفيه 2 ص 9.
11- م.ن.2:
دنتسنغر 303 (602). - م.ق.4، الجلسة 10، القانون 1: دنتسنغر 336 (650 -
652).
12- م.ف.1:
"دستور عقائدي في الإيمان الكاثوليكي"، الفصل 4: "في الإيمان والعقل":
دنتسنغر 1800 (3020).
13- م.ت.،
الجلسة 4: المرجع نفسه: دنتسنغر 783 (1501).
14- بيوس
الثاني عشر: الدستور الرسولي "الله الكلّي الجود"، 1 تشرين الثاني
1950: أ.ك.ر. 42 (1950) ص 756، بالمقارنة بكلام القديس قبريانوس في
الرسالة 66: 8 ك.م.ل. (هرتل) 3 ب ص 733: "الكنيسة شعب متّحد بالكاهن،
ورعيّة متعلّقة براعيها".
15- م.ف.1:
دستور عقائدي في الإيمان الكاثوليكي، الفصل 3: في الإيمان: دنتسنغر
1792 (3011).
16- بيوس
الثاني عشر: الرسالة العامة "الجنس البشري"، 12 آب 1950: أ.ك.ر. 42
(1950) ص 568 - 569: دنتسنغر 2314 (3886). |