أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق المجمع

      

كلمة الله - Dei Verbum

دستور عقائدي في "الوحي الإلهي"
 

 

من الأسقف بولس، خادم خدّام الله، مع آباء المجمع المقدس، للذكرى الخالدة.

مقدمة

4201 -1- إنَّ المجمع المقدس، إذ يُصغي بورعٍ إلى كلمةِ الله ويُعلنُها بثقةٍ، يَعملُ بأقوالِ القديس يوحنا: "نبشِّرُكم بالحياةِ الأبديةِ التي كانت عند الأبِ فظَهَرَت لنا: الذي رأيناه وسمعناه، به نُبشِّرُكم لتكونَ لكم أيضاً شركةً معنا، وشركتُنا إنَّما هي مع الآب ومع إبنه يسوع المسيح" (1 يو 1 / 2-3). وعليه، فإنَّ المجمع المقدس يقتفي آثارَ المَجمعَين التريدنتي والفاتيكاني الأول، عاقداً النية ليعرض العقيدةَ الأصيلة عن الوحي الإلهي وعن طُرُقِ تسليمه لكي يسمعَ العالم بأسره فيؤمِنَ وبإيمانه يرجو وبرجائه يُحبُّ (1).

الفصل الأول: الوحي الإلهي في حد ذاته

طبيعة الوحي
 
4202 -2- لقد حَسُنَ لدى الله، بجودته وحكمته، أن يكشف عن ذاتِهِ ويُعلِنَ سِرَّ إرادته (راجع أف 1 / 9)، الذي به يتوصَّلُ البشر إلى الآب في الروح القدس، بالمسيحِ الكلمةِ المتجسِّد ويصيرون شركاءَ في الطبيعةِ الإلهيَّة (راجع أف 2 / 18؛ 2 بط 1 / 4). فإنَّ الله غير المنظور، (راجع كول 1 / 15؛1 تيم 1 / 17) بفَيضٍ من محبته للبشر، يُكالِمهم كأحباءَ (راجع خر 33 / 11؛ يو 15 / 14-15) ويتحدَّثُ إليهم (راجع با 3 / 38) ليدعوهم إلى شركته ويقبلهم فيها. وتدبيرُ الوحي هذا يقومُ بالأعمال والأقوال التي ترتبط فيما بينها إرتباطاً وثيقاً، بحيثُ أنَّ الأعمال التي حقَّقَها الله في تاريخ الخلاص تُبرِزُ العقيدةَ والحقائقَ التي تُعَبِّرُ عنها الأقوالُ وتدعمُها، بينما الأقوالُ تعلنُ الأعمالَ وتوضح السرَّ الذي تَحويه. أمَّا الحقيقة الخالصة التي يُطلعنا عليها الوحي، سواءَ عن الله أم عن خلاصِ الإنسان، فإنَّها تسطعُ لنا في المسيح الذي هو وسيطُ الوحي بكامِلِه وملؤُهُ في آنٍ واحد (2).

التمهيد للوحي الإنجيلي

4203 -3- إنَّ الله الذي يَخلُقُ كلَّ شيء بالكلمة (راجع يو 1 / 3) ويحفظُهُ، يُعطي البشرَ شهادةً دائمةً عن ذاته في الخليقة (راجع رو 1 / 19-20). علاوةً على ذلك فإنَّه مُنذ البدء أَظْهَرَ ذاتَه لأبوينا الأولَين، إذ أراد أن يفتحَ لهما طريق الخلاصِ العُلوي. فبَعدَ أن سقطا ووعدَهما بالفداء، أقامَهما على رجاءِ الخلاص (راجع تك 3 / 15) وأحاط الجنسَ البشريَّ بعنايةٍ مستمرَّةٍ، ليَهَبَ الحياةَ الأبديةَ لكلِّ مَن بالصبرِ على العمل الصالح، يَطلُبُ الخلاص. (راجع رو 2 / 6-7). وفي حينه، دعا إبراهيمَ ليجعل مِنه أُمَّةً عظيمةً (راجع تك 12 / 2) علَّمَها بواسطةِ الآباء، ومن بعدهم بواسطةِ موسى والأنبياءِ، أن تعرفَهُ هو الإلهُ الوحيدُ الحيُّ والحقيقيُّ، الآبُ المُدبِّرُ والقاضي العادل، وأن تنتظرَ مجيءَ المُخلِّصِ الموعودِ به. وعلى هذا المنوال مهَّدَ اللهُ الطريقَ للإنجيلِ مدى الأجيال.

المسيح  كمال الوحي

4204 -4- إنَّ الله، بعد أن تكلَّم تكراراً وبطرقٍ مختلفة بالأنبياء "كلَّمَنا في هذه الأيام الأخيرة بالإبن" (عب 1 / 1-2). فلقد أرسل إبنه، الكلمةَ الأزلي الذي يُنيرُ كلَّ إنسان ليقيمَ بين البشرِ ويُخبرهم عن خفيّاتِ الله (راجع يو 1 /1-18). ويسوعُ المسيحُ، الكلمةُ المتجسِّدُ والإنسانُ المُرسَل إلى الناس (3)، يتكلَّمُ إذاً بكلامِ الله (يو 3 / 34)، ويُتمِّمُ العملَ الخلاصيَّ الذي أعطاهُ إيّاه الآب ليعمله (راجع يو 5 / 36؛ 17 / 4). وعليه فهو الذي - إن رآه أحدٌ فقد رأى الآب (راجع يو 14 / 9) بحضورِهِ الذاتيّ الكامل وبظهورِهِ، وبأعمالِهِ وأقوالِهِ، وبآياتِهِ ومعجزاتِهِ، وخاصةً بموتِهِ وقيامتِهِ المجيدة من بين الأموات، وأخيراً بإرساله روحَ الحقِّ، يُتمِّمُ الوحيَ ويُكمِّله ويثبّته، إذ يَشهَدُ شهادةَ الإلهِ أنَّ الله معنا لينشلنا من ظلمات الخطيئة والموتِ ويُقيمنا للحياة الأبدية. وبالتالي فإنَّ التدبيرَ المسيحيَّ الذي هو العهدُ الجديدُ والنهائي لَن يزولَ أبداً، ولَن يُرجى أيُّ وحيٍ جديدٍ عَلَنيٍّ قبل الظهورِ المجيدِ لسيدنا يسوع المسيح (راجع1 تيم 6 / 14 وتي 2 / 13).

قبول الوحي بالإيمان

4205 -5- إنَّ طاعةَ الإيمان أمرٌ واجبٌ لله الموحي (رو 16 / 26؛ راجع رو 1 / 5؛ 2 كو 10 / 5-6)، وبهذه الطاعةِ يُفوِّضُ الإنسان أمرَه إلى تدبيرِ الله بكامِلِ حرِّيتِهِ، فيُخضِعُ لهُ تماماً عقلَه وإرادتَه، ويَقبَلُ، عن رضى، الحقائقَ التي يَكشفُها له (4). إنَّما لكي يؤمنَ هكذا، فهو بحاجةٍ إلى نِعمةِ الله السابقةِ والمُسانِدة، وإلى معرفة الروح القدس الداخليّة، الذي يُحرِّكُ القلبَ ويردُّه إلى الله، ويفتحُ بصيرةَ العقلِ ويُعطي الجميعَ العذوبةَ في قبولِ الحقيقةِ والإيمان بها (5). وهذا الروحُ بالذّات لا يفتأ يُكمِّلُ الإيمان بمواهبِهِ، لكي يَتَعمَّقَ تَفَهُّمُ الوحي يوماً بعد يوم.


الوحي الإلهي ومعرفة الله الطبيعية

4206 -6- لقد أرادَ الله أن يكشفَ عن ذاتِهِ بالوحي الإلهي، وأن يُبَيِّنَ أحكامَ مشيئتِهِ الأزليّة في ما يَخُصُّ خلاصَ البشرِ "أي فيما يعودُ إلى إشراكهم في الخيرات الإلهية التي تفوق تماماً إدراكَ العقلِ البشري" (6). وإنَّ المجمعَ المُقدَّسَ يُجاهِرُ بأنَّ العقلَ البشريَّ يستطيع بنورِهِ الطبيعي أن يعرف الله، مَبدأ كلِّ شيءٍ وغايتَه، معرفةً أكيدةً، وذلك عن طريقِ المخلوقات (راجع رو 1 / 20)؛ ويُعلِّمُ المجمعُ أيضاً أنه من الواجب أنْ يُعزَى إلى الوحي ما يلي: إنَّ ما في الإلهيّات من أمورٍ ليست بحدِّ ذاتها صعبةَ المنالِ على عقلِ الإنسان، يستطيعُ الجميعُ، حتى في ظروف الجنس البشري القائمة، أن يعرفوها بسهولةٍ وأن يَتَيَقَّنوا مِنها تيقُّناً ثابتا لا يخالطه غلط (7).

ـــــــــــــ

1- القديس أغسطينوس: في تعليم الأميين التعليم المسيحي 4 : 8: مجموعة آباء الكنيسة اللاتينية. 40: 316.

2- متى 11/ 27؛ يو 1 / 14 و 17؛ 14/ 6؛ 17 / 1 - 3؛ 2 كور 3 / 16 و 4 / 6؛ أف 1 / 3 - 14.

3- الرسالة إلى ديوجنت 8 : 4 : فونك 1 : 403.

4- م. ف. 1: دستور عقائدي "في الإيمان الكاثوليكي" الفصل 3 "في الإيمان": دنتسنغر 1789 (3008).

5- مجمع أورانج 2: القانون 7: دنتسنغر 180 (377). - م.ف.أ: المرجع نفسه: دنتسنغر 1791 (3010).

6- م.ف.1: دستور عقائدي "في الإيمان الكاثوليكي"، الفصل 2 "في الوحي الإلهي": دنتسنغر 1786 (3005).

7- المرجع نفسه: دنتسنغر 1785 و 1786 (3004 و 3005).

ــــــــــــــ
ملاحظة: الأرقام الواردة هي تلك المستعملة في كتاب "دنتسنغر ـ هونرمان". الكتاب متوفر باللغة العربية في جزئين تحت عنوان: الكنيسة الكاثوليكية في وثائقها، رقم 27 و28 من سلسلة "الفكر المسيحي بين الأمس واليوم"، منشورات المكتبة البولسية، عام 2001.
 


مقدمة عامة
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي